No Result
View All Result
محمد عيسى
في واحدة من أكثر الفترات حساسيّة خلال العام 2025، عاد اسم مرتزقة “داعش” الإرهابيّ إلى واجهة المشهد السوريّ من جديد، ليس عبر عودة رسميّة معلنة أو عبر مساحات واسعة يجتاحها كما حدث في عامي 2014 و2015، بل عبر أسلوب جديدٍ أكثر خفاءً وخطورةً، تجديد بؤر المرتزقة داخل المناطق الخاضعة للاحتلال التركيّ وتسيطر عليها مجموعات ما تسمّى “الجيش الوطنيّ”، وذلك بالتوازي مع تكثيف نشاط خلاياه النائمة في المخيماتِ، وفي مقدمتها مخيم الهول سيء الصيت.
أمير “داعش” بيد قسد والتحالف
في الساعة الثانية من فجر يوم الجمعة، الخامس والعشرين من تموز، استيقظت مدينة الباب شرق مدينة حلب على دوي انفجارات عنيفة وطلقات ناريّة كثيفة، بعد أن نفّذت قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدوليّ عملية إنزال جويّ معقّدة على أحد الأحياء الشرقيّة للمدينة، في منطقة “حي البوغزال”، مستهدفةً خلية نشطة تابعة لمرتزقة “داعش”، يقودها أحد أمراء المرتزقة من الجنسية العراقيّة.
سبق الإنزال الجويّ طوق أمنيّ مشدد فرضته وحدات خاصة من قوات سوريا الديمقراطية، بدعم مباشر من القوات الجويّة الأميركية، التي حلقت مروحياتها فوق المنطقة في تشكيل دائري استعداداً للضربة، وما هي إلا دقائق حتى بدأت الاشتباكات المباشرة مع عناصر الخلية، الذين فاجأتهم العملية في مخبئهم.
المعطيات الأولية أكدت أن من بين المستهدفين قيادي بارز يُعرف باسم “أبو سجاد العراقيّ”، أحد المنسقين بين خلايا “داعش” في إدلب والباب، والمسؤول عن نقل التعليمات من قادة المرتزقة المختبئين في المناطق السورية المحتلة من الاحتلال التركي. وعلى الرغم من الغموض الذي يلف مصير أفراد الخلية، فإن المؤكد أن عدداً منهم قتل خلال تبادل إطلاق النار، بينما تم اعتقال آخرين ونقلهم إلى جهة مجهولة.
ويُعد هذا الإنزال الأول من نوعه في المناطق المحتلة خلال عام 2025، وهو ما يؤشر إلى تحولٍ كبير في قواعد الاشتباك، وعودة استهداف مباشر للعمق الداعشيّ في المناطق التي طالما وصفتها تقارير الأمم المتحدة ومنظمات المراقبة بأنها “ملاذ آمن” للقيادات الإرهابيّة، بدعمٍ تركي واضح.
ولم تمضِ 24 ساعة على عملية الباب، حتى أعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” في 26 تموز عن ضربة جوية دقيقة استهدفت منزلاً في أطراف المدينة ذاتها، لتقضي على “ضياء زوبع مصلح الحرداني”، أحد أبرز قادة “داعش” المحليين، برفقة اثنين من أبنائه المنتمين بدورهم لداعش: عبد الله ضياء وعبد الرحمن ضياء.
العملية التي نُفذت بصاروخ موجه من طائرة مسيّرة تابعة للتحالف، جاءت نتيجة تتبع دقيق لتحركات الحرداني، الذي تشير سجلات أمنيّة إلى ضلوعه في عمليات تنسيق بين خلايا المرتزقة في سوريا والعراق. وكانت تركيا، بحسب مصادر خاصة، على علم مسبق بوجود الحرداني في المنطقة، لكنها غضّت الطرف، كما حدث مع عشرات الحالات المشابهة في الأعوام الأخيرة، ما يطرح مجدداً سؤالاً محوريّاً: لماذا تتحول المناطق المحتلة إلى بؤرٍ متجددة لـ”داعش”؟
تجدد الخطر من الداخل
في الثلاثين من تموز 2025، أعلنت قوات سوريا الديمقراطيّة عن تنفيذ واحدة من أدقّ العمليات الأمنيّة في مخيم الهول بريف الحسكة، أسفرت عن إلقاء القبض على اثنين من أخطر متزعمي مرتزقة “داعش” كانا ينشطان في القطاع المعروف بـ”القطاع الأجنبيّ”، وهو من أكثر أقسام المخيم تعقيداً وخطورة. وجاءت العملية بعد متابعة استخباراتيّة دقيقة استمرت لأسابيع، إذ رُصدت تحركات مشبوهة ولقاءات سرّية جرت بين القياديين وعدد من عناصر الدعم اللوجستيّ المرتبطين بالخلايا النائمة داخل المخيم، والذين كانوا يسهّلون نقل المعدات والمعلومات عبر شبكات تهريب معقدة.
وبحسب البيان الصادر عن المركز الإعلاميّ لقوات سوريا الديمقراطيّة؛ فإنَّ هذين المتزعمين كانا يحاولان إعادة إحياء بنية “داعش” التنظيميّة داخل المخيم، من خلال استقطاب شبان وفتيات من عائلات الدواعش، وتنظيم حلقات تدريب سريّة، فضلاً عن التخطيط لعمليات اغتيال داخل المخيم وخارجه، وأفادتِ التحقيقات الأوليّة بأنّ الموقوفَين كانا قد شاركا في تنفيذ عمليات نوعيّة داخل العراق وسوريا في السنوات الماضية، ودخلا المخيم باستخدام هوياتٍ مزورة، متنكرَين بهيئةِ نازحين.
ويُعد مخيم الهول من أبرز النقاط الساخنة في ملف الأمن السوريّ، ليس فقط بسبب اكتظاظه بأكثر من 60 ألف شخص، معظمهم من عائلات المرتزقة، بل لأنه يُستخدم – وفق تقارير دوليّة – كقاعدة خلفية لتوليد موجات جديدة من التطرف، في ظل بيئة اجتماعية يختلط فيها العنف بالأيديولوجيا. كما أن تدخلات أنقرة ومحاولاتها الدائمة لنقل عناصر مشبوهة أو عرقلة جهود التمشيط الأمنيّ تزيد من تعقيد الوضع، وتمنح المرتزقة هامشاً أكبر للتحرك.
في هذا السياق، تعتبر عملية الثلاثين من تموز إنجازاً نوعياً ضمن سلسلة الجهود التي تبذلها قسد والتحالف الدوليّ لكسر العمود الفقري للمرتزقة، ليس فقط في الميدان، بل داخل النسيج الاجتماعي المتشظي للمخيمات التي طالما اعتُبرت حاضنة لإعادة تدوير الإرهاب.
الباب وإدلب وإعزاز… مثلث الموت والإفلات
ليست مدينة الباب سوى واحدة من العديد من المناطق التي تحوّلت إلى ملاذٍ آمن لخلايا “داعش”، إذ يتكرر المشهد ذاته في إدلب الخاضعة فعليّاً لسيطرة “هيئة تحرير الشام” والتي تعمل باسم “الحكومة السوريّة الانتقاليّة”، وفي إعزاز التي تسيطر عليها مرتزقة “الجيش الوطنيّ” المدعومة تركيّاً. وهذه المناطق، التي يفترض أنها تابعة للمعارضة، أصبحت خلال السنوات الماضية بيئة حاضنة للفوضى والتطرف والتهريب، فيما تغيب أيّ ملاحقة حقيقيّة للجماعات المرتزقة، بل تُسجَّل حالات من التواطؤ أو التستر الواضح على تحركاتهم. تتكرر عمليات اعتقال متزعمي “داعش” داخل هذه المناطق، لكن دون أي إدانة أو محاسبة من المجموعات المرتزقة، في ظل وجود أدلة متزايدة على أن معظم هؤلاء المتزعمين دخلوا سوريا عبر الأراضي التركيّة أو تواصلوا مع عناصر ترتبط مباشرةً بأجهزة أمنيّة تركية، كما أظهرت العديد من التحقيقات والاعترافات المصوّرة.
بالتوازي، تشهد مناطق دير الزور، خاصةً الواقعة على تماس مع القوات التابعة للحكومة السوريّة الانتقالية، نشاطاً متصاعداً لخلايا داعش، ففي 17 تموز، استشهد عضوان من قوات سوريا الديمقراطية في كمين ببلدة الحوايج، ونجا قيادي من محاولة اغتيال في الشحيل، وتشير تقارير استخباريّة إلى أن الهجمات نُفذت بأيدٍ قادمة من إعزاز والباب عبر طرق تهريب تسيطر عليها “الفرقة 20″، إحدى المجموعات المرتزقة المدعومة بشكلٍ مباشر من قبل الاحتلال التركيّ.
ووفقاً لمصادر أمنيّة، فإن أكثر من 60% من نشاط “داعش” في منطقة الفرات الأوسط يتم بتنسيقٍ مباشر مع قيادات سابقة في المجموعات المرتزقة، ما يضع علامات استفهام حول العلاقة الوثيقة بين بعض تلك المجموعات ومرتزقة “داعش” الإرهابيّ.
تمشيط أمنيّ أم استراتيجية طويلة الأمد؟
ما قامت به قسد والتحالف الدوليّ في تموز 2025 لا يمكن وصفه بمجرد حملة أمنيّة محدودة، بل هو بداية مرحلة جديدة من الحرب على “داعش”، ترتكز على مبدأ “التمشيط الكامل” للبؤر التي طالما ظلت خارج نطاق الاستهداف، وخاصةً المحتلة من الاحتلال التركي.
صحيح إنّ مناطق إقليم شمال وشرق سوريا شهدت عدة عمليات إرهابيّة نفذتها خلايا مرتزقة “داعش” استهدفت مراكز أمنيّة، إلا أنّها جاءت من نموذج عمليات الكر والفر، دون ظهور مباشر على الأرض، بالمقابل شهدت المناطق التي احتلتها الاحتلال التركيّ وكذلك “الحكومة الانتقاليّة” نشاطاً أوسع للمرتزقة في تأكيد لحالة الاحتضان والدعم، وهو ما يطرحُ تساؤلاتٍ جوهريّة: لماذا يتكاثر “داعش” في حضن من يفترض أنّهم يقاتلونه؟ ولماذا لم تنفّذ أنقرة أيّ عملياتٍ حقيقية ضد خلاياه، رغم امتلاكها القدرة الاستخباراتيّة والعسكريّة للقيام بذلك؟
الجواب ربما يكمن في الاستراتيجية العامة التي تتبناها تركيا منذ تدخلها في شمال سوريا: تحويل التنظيمات المتطرفة إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية، سواء ضد قسد أو ضد الحكومة السوريّة أو حتى ضد الشركاء الدوليّين في التحالف.
يبدو أنّ الواقع الأمنيّ خلال تموز 2025 يضعنا أمام خيار واضح: لا استقرار في سوريا من دون اجتثاث البؤر التي أعادت لـ”داعش” الحياة، ولا يمكن لأيّ حديث عن محاربة الإرهاب أن يكون جديّاً ما دامت مناطق إدلب والباب وعفرين تحت سيطرة مجموعات مرتزقة مرتبطة فكريّاً وتمويليّاً بأنقرة.
إن تمشيط تلك المناطق – عسكرياً واستخباراتياً – لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنيّة وأمنيّة وإنسانيّة. وقسد، التي هزمت المرتزقة في الباغوز عام 2019، تملك القدرة مجدداً على اقتلاع خلاياه النائمة، شريطة توفير الدعم الدوليّ، ووضع حدٍّ للتواطؤ التركيّ.
وإذا كانت مقاومة القضاء على “داعش” قد بدأت من كوباني، فإن حسمها النهائي قد لا يتم إلا في إدلب والباب وإعزاز… حيث يقبع قادة الظل، وحيث لا تزال تركيا تحتضنهم.
المناطق المحتلة ملاذ لـ”داعش”
مع هزيمة مرتزقة “داعش” في آذار 2019، كانت المناطق الخاضعة للاحتلال التركيّ مقصد مئاتِ المرتزقة وبعض عوائلهم، بمن فيهم متزعمو الصف الأول، وتم إعادة تدويرهم بضمهم إلى مجموعات مرتزقة الاحتلال التركيّ أو تسهيل عبورهم إلى إدلب أو الأراضي التركيّة، وفي هذه المناطق تمت تصفية عددٍ من المتزعمين.
في يوم 26/10/2019 شنّ التحالف الدوليّ غارة شمال غربي سوريا أسفرت عن مقتل المدعو أبو بكر البغداديّ في بلدة باريشا بريف إدلب الشمالي، وأعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب الخبر في بيانٍ غير اعتياديّ من البيت الأبيض.
ليلة الأربعاء 2/2/2022 نفذت مروحيات أمريكيّة من طراز أباتشي إنزالًا جويًا في محيط بلدة أطمة شمالي إدلب بالتزامن مع تحليق مكثف لطائرات استطلاع مذخرة ومسيرة، وأسفرت العملية عن تصفية المدعو أبو إبراهيم الهاشمي القرشيّ الخليفة الثاني لمرتزقة “داعش”.
أعلن القيادة المركزية الأمريكيّة، في 12/7/2022، تصفية ماهر العقال قُتل في غارة بطائرة مُسيرة في ناحية جنديرس في عفرين المحتلة فيما كان يتنقل على دراجة ناريّة رفقة أحد المقربين منه. وكان العقال أحد أكبر خمسة قيادين في “داعش” ويشغل منصب ما يسمى أمير بلاد الشام.
في 29/4/2023 أعلن رئيس دولة الاحتلال التركيّ أردوغان القضاء على متزعم “داعش” المدعو أبو الحسين القرشيّ، وكان يسكن في فيلا مستولى عليها في قرية مسكة بناحية جندريسه، ويحظى بحمايةٍ خاصة من مرتزقة الاحتلال التركيّ، وكانت تركيا على مشارف انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة، ولهذا حرص على إعلان الخبر بنفسه خلال لقاء تلفزيونيّ.
وأكدت العديد من التقارير والتحقيقات الإعلاميّة أنّ مرتزقة “داعش” الذين وصلوا إلى المناطق التي تحتلها أنقرة انضموا إلى مجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركيّ، وفي 28/7/2021 أعلنت واشنطن إضافة كيانات وشخصيات في سوريا إلى قائمة عقوباتها، كان بينها مرتزقة “أحرار الشرقيّة” وقالت الوزارة إنّ المعروف باسم “أبو حاتم شقراء”، هو “زعيم أحرار الشرقية ومتواطئ بشكلٍ مباشر في العديد من انتهاكات حقوق الإنسان”، وأضافت أنه “تورط في تهريب النساء والأطفال الإيزيديين ودمج أعضاء “داعش” السابقين في صفوف أحرار الشرقيّة”.
المعلومات التي أفادت بها تقارير منظمات حقوقيّة وإعلاميّة متضافرة تؤكد حجم الدعم التركيّ لمرتزقة “داعش” قبل هزيمته بتسهيل المرور عبر الحدود وتقديم الدعم اللوجيستي، وكذلك تأمين الملاذ الآمن بعد الهزيمة، ومحاولات أنقرة إنهاء حالة الاحتجاز لآلاف المرتزقة عبر استهداف القصف لمراكز الاحتجاز لخلق فوضى تسهل هروبهم، في سياق محاولة إحيائه الإرهاب تنظيميّاً، والانتقال من حالة الكمون إلى الظهور والتمكين.
No Result
View All Result