روناهي/ الرقة – في قلب مدينة الرقة القديمة، وعلى رصيف يجاور باب بغداد، تجلس امرأة خمسينية تحت ظل الشمس الحارقة، تحيط بها قطع فخار منمنمة وألبسة مستعملة مرتبة بعناية على بطانية بالية. اسمها “ترف المحمد”، لكنها لم تذق طعم الترف يوماً.
وكل صباح، وقبل أن تطأ أقدام المارة الطريق، تكون ترف قد سبقتهم إليه. ترفع الحواف الرثة لبسطتها وتصافح الأرض التي باتت رفيقتها منذ أكثر من عقد، عيناها تلمعان بحسرة، يرافقها صوت داخلي يقول لها: إنّ الحياة لا تزال مستمرة، ولو كانت مريرة.
“ترف المحمد” ليست فقط بائعة على قارعة الرصيف، بل هي أم لتسع بنات وجدة لعدد غير قليل من الأحفاد. تتكفل بهم، تعلمهم وتطعمهم، وتدخر لهم قصصاً من حياة لم تكن عادلة معها. الفقر والخذلان والحرب، لم تترك لها خياراً سوى أن تصبح القلعة التي تحمي أحلام الصغار وتدفن جراحها تحت أنقاض الذكريات.
قصة كفاح
وما يميز ترف ليس فقط قدرتها على البيع، بل طريقتها في سرد الحكايات. كل قطعة فخار لديها قصة، وكل قميص قديم يحمل عبق أيام بعيدة. المتسوقون لا يشترون منها فقط؛ بل يعودون محملين برائحة الزمن وكلمات امرأة لم تنكسر رغم كل شيء.
وتبدأ يومها قبل صلاة الفجر، تصنع الشاي على نار بسيطة، توقظ حفيدتها الصغيرة وتغسل لها وجهها. في تمام الساعة السادسة تكون قد حملت كل شيء بيديها الهزيلتين إلى الرصيف. وفي لقاء لصحيفتنا “روناهي”، تقول ترف: “الشارع صار بيتي، بسطتي هي فراشي والناس اللي تمر، يصيروا أهلي ولو للحظة”.
والفخار الذي تبيعه تصنعه بنفسها. من طين نهر الفرات تجمع القطع وتشكلها في فناء منزلها المتواضع. تعلّمت الصنعة من والدتها، وكانت تقول إنّها تستطيع أن تصب فيها ألمها فيتحول إلى شكلٍ جميل. أما الألبسة، فهي تجمعها من تجار البالة وتحاول أن تعيد تنظيفها وتنسيقها لتناسب مختلف الطبقات.
تقول ترف: “أعرف أن الناس تأتي لتبحث عن شي رخيص، بس أنا ما أبيع رخيص. أنا أبيع بشرفي، بوجعي، بحكايتي”.
إصرار لا ينكسر
مرت ترف بمراحل قاسية، أهمها فقدان زوجها إثر غارة قبل عشر سنوات، ثم اضطرارها للهروب من منزلها في حارة الصناعة. تنقلت بين ثلاث مناطق قبل أن تستقر قرب باب بغداد، حيث تنسج يومياتها وتراكم الحكايات في الصمت والانتظار.
تقول: “لما مات أبو البنات حسيت الأرض سحبتني… بس ما انهزيت، كنت خاف، بس البنات كانوا أقوى من خوفي”.
وتسكن ترف الآن في بيت صغير مؤلف من غرفتين، تقطن فيه مع بناتها وأحفادها. لا يوجد باب لمطبخها، ولا نافذة تطل على شيء سوى جدار مهدم. ومع ذلك، فإن ابتسامتها لا تغيب عن زوارها، وحتى أولئك الذين يمرون دون أن يشتروا شيئاً، تقول لهم: “مو ضروري تشتري… بس ضروري تحس إنو في حدا هون ما نسي إنو الحياة تستحق نحاول”.
وترف المحمد، ذلك الاسم الذي لا يعرفه كثيرون، صارت اليوم رمزاً للصمود في وجه انكسارات الحياة. ليست بطلة في رواية، ولا وجهاً معروفاً على الشاشة، لكنها صوت كل امرأة قاست وبقيت واقفة.
قصتها ليست فقط عن البيع والرزق، بل عن الحب الذي تعطيه دون مقابل، وعن الأمل الذي تحفره في الطين لتصنع منه شكلاً جديداً كل يوم. إنها تشبه الفخار الذي تصنعه: هش من الخارج، قوي في الداخل، ومليء بالأسرار التي لا تراها العين.
ربما لن تصل ترف إلى منصات إعلامية كبرى، وربما لن ترفع لها رايات الاحتفاء، لكنها ترفع راية الشرف والبساطة والكرامة، راية لا ترفعها إلا من كابدت الحياة ثم ابتسمت لها برغم كل شيء.
في آخر لقاء معها، قالت بصوت متهدج: “إذا في حدا سمع قصتي وشاف فخاري، يعرف إنو أنا ما بعرف أستسلم… أنا بس بعرف أحب وضل موجودة هون، بالرقة، على الرصيف، بين الناس”.