حجي محمود
التاريخ لا يُكتَب اعتباطًا، بل يُنقش حدثًا بعد آخر، ليُخلَّد في ذاكرة الوجدان، ويعيش في ضمير الإنسانية. وحدها اللحظات التي تُبرهن على إنقاذ الإنسان من هاوية الاندثار، وتُعيد بثّ الحياة في أوصال البشرية، تستحق أن تُروى للأجيال القادمة، بكلِّ فخر وصدق.
اليوم، نعيش خطوةً ثانية مفصلية في مسيرة الحرية، يُقدم عليها حزب العمال الكردستاني، استجابةً لنداء القائد الأممي عبد الله أوجلان.
بإرادةٍ نابعة من منبع القوة لا من وهم الضعف، يضع مجموعة من مقاتلي الحزب سلاحهم جانبًا، معلنين أن النضال ليس مرهونًا بالرصاص فقط، بل بالإيمان العميق بأن الكلمة تُفاوض حين تتكئ على إرادة صلبة. ولعلّ أكثر ما يلفت النظر في هذه الخطوة، هو اختيار الموقع.
فالسلاح لا يُلقى في مدينة محايدة أو منطقة تهيأت للاستقبال، بل في عمق الجبال التي تحرسها قوات الحزب نفسها. وهذا ليس عبثًا، بل هو إعلان واضح: “نحن نفاوض من موقع القوة، لا من عتبة الانكسار”.
فأي جهةٍ في هذا العالم، تستطيع أن تُصدر قرارًا بهذا الحجم وتضمن تنفيذه بدقة؟ أي تنظيم يقدر أن يحمي مراسمه من الاختراق أو التلاعب، في قلب مناطق نفوذه، وبين جمهوره، من الأطفال إلى الشيوخ؟
هذا هو سرّ الصدق… وهذا هو معنى الانضباط النابع من الإيمان لا من القسر. إن هذه الخطوة ليست مجرد مشهد سياسي، بل مشروع حياة. ولهذا، فإن مسؤولية صونه تقع على عاتق الجميع:
من كوادر الحزب ومقاتليه، إلى الشعب الذي احتضن هذا الفكر، إلى كل جهة تدّعي السعي نحو السلام والديمقراطية.
ولا حجة بعد اليوم لأولئك الذين يختبئون خلف الأعذار، فقد كُشفت النوايا، وباتت الكرة في ملعب الدولة التركية والقوى الإقليمية والدولية.
لقد قال القائد عبد الله أوجلان كلمته، وخطا حزبه نحو تنفيذها، بكل وضوح وإصرار.
يعيش قائد الإنسانية، عبد الله أوجلان. صوتٌ لا يُخمد، وفكرٌ لا يُحاصر، وطريقٌ لا ينتهي عند بوابةٍ أو حدود.