عبد الرحمن ربوع
مع خروج روسيا وإيران من سوريا باتت الكلمة الأولى والأخيرة عند كل الفرقاء السوريين للولايات المتحدة الأمريكية، وبقدر ما يخفف هذا من حدة الصراعات السابقة ويمنع عودة الصدام والاحتراب؛ إلا أن وضع كل البيض في السلة الأمريكية وحصر كل الخيارات في الخيار الأمريكي ليس سياسة حكيمة، ولا يبشر بالخير على المدى البعيد، لأنه لا يمكن بناء دولة ومؤسسات دولة على هوى وتوجهات دولة أخرى مهما كانت هذه الدولة كبيرة ومهما كانت صديقة. وجميعنا يعلم مدى تقلبات السياسة الأمريكية مع تبادل الأدوار بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لدرجة تصل إلى مائة وثمانين درجة كل أربع أو ثماني سنوات.
اليوم تتوجه الحكومة الانتقالية نحو الولايات المتحدة الأمريكية بكليتها، متوافقة بذلك مع المنظومة العربية والنظام العربي عمومًا لأسباب عديدة أهمها الرغبة في رفع العقوبات الاقتصادية والمالية، واستعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية والتجارية الطبيعية مع الدول الغربية ودول الخليج العربي، والقطيعة الباتة مع إيران ومحورها المهدد لأمن وسلام المنطقة. فضلاً عن القطع التام مع النسق السياسي والدبلوماسي لنظام الأسد، والذي ثار عليه السوريون وحاربوه حتى أسقطوه وهرب رئيسه، ويستلزم الأمر إعادة بناء الدولة على أسس مغايرة تمامًا لما كانت عليه لمنع تكرار المسببات التي أودت بالسوريين إلى ثورة وحرب استمرت ثلاثة عشر عامًا وراح ضحيتها ملايين الضحايا والمفقودين واللاجئين ودمرت البلد ولم تعد صالحة للعيش.
تكرار الخطأ
في العهد البائد، أخطأ النظام حين وضع بيضه في السلة الإيرانية الروسية، ورفض الانفتاح على جيرانه العرب، وبالأساس تعالى على الشعب واستقوى عليه بالأغيار والأغراب، وفرّط بالبلد وثرواتها ومواردها على حساب الشعب نفسه. وعلى مدى أكثر من عشر سنوات (2000 ـ 2011) عانى السوريون كثيرًا من رفض النظام الاستماع إليهم والاستجابة لطلباتهم وتلبية حاجاتهم، مفضلاً خيار الإقصاء والإسكات والسجون والمعتقلات، واليوم يتم استنساخ التجربة “بالمليمتر” حيث يتصدر فصيل واحد يحتكر كل الحق في التقرير والإدارة والحكم دون أن يكون لكل السوريين الحق في المشاركة والمساعدة، خصوصًا في هذه المرحلة الحساسة والحرجة من تاريخ البلد.
ولأجل هذا التفرد والأحادية تبدو القيادة السورية الحالية مستعدة لتلبية كل ما يطلب منها أمريكيًا وإسرائيليًا وعربيًا… لأنها تتصرف من موقف ضعف وقلة لا من منطق قوة وكثرة. و”الغير” سيد من يقتنص الفرص ليفرض أجندته ورؤيته وطلباته واشتراطاته، خصوصًا مع حكومة تبحث عن شرعية ومقبولية مستوردة تستسهلها في مقابل مشروعية ومقبولية وطنية عامة ليس من السهل الحصول عليها دون مساومات وتنازلات.
تكرار النتيجة
لا أحد ينكر المقبولية النسبية التي تتمتع بها الحكومة والقيادة الحالية، وهي المقبولية نفسها التي تمتع بها بشار الأسد حين استلم الحكم بعد وفاة أبيه سنة 2000 حيث توسّم فيه كثير من السوريين خيرًا باعتباره شخصًا لم يتربَ على أسس عسكرية أو أمنية بل كان يدرس الطب في بريطانيا (دون أن يكون ملمّا بالإنكليزية!). وكان شغوفًا بالإنترنت (باسوورد إيميله: 1234).. بمعنى أنه مختلف عن أبيه، وربما يكون جادًا في تنفيذ وعوده بتحديث سوريا وإعادتها إلى محيطها العربي والمنظومة الدولية كدولة محترمة، بعد أن كانت تصنف كدولة مارقة، لكن وصل الحال بها على يديه لتصبح أكبر مصدر للإرهاب والمخدرات واللاجئين، واليوم تقف سوريا على العتبة نفسها وأمام الخيارات نفسها والاختيارات ولن تختلف النتائج إلا إذا اختلفت المقدمات والمعطيات.
وما كان يطالب به السوريون قبل خمس وعشرين سنة يكررون المطالبة به اليوم متوسمين ومتأملين اختلافًا وخيرًا في القيادة الجديدة، لكن مازالت الإجراءات على الأرض بطيئة وتسير بالدفع الذاتي وكل خطوة بمصيبة. أي لا تقدم ولا تحرك للأمام إلا بعد وقوع كارثة أو حدوث مشكلة. والتخطيط كل يوم بيومه، والسَوق حسب السوق. فيما هناك قامات راقية وخبرات عظيمة وتجارب طويلة وتاريخ عريق يكفينا مؤونة الاختراع والتجريب.
ما حك جلدك مثل ظفرك
لا يمكن أن نصدق أن الغير يريدون الخير والازدهار لهذا الشعب وهذه البلد، مهما جمّلوا شعاراتهم و”دبلمسوا” خطاباتهم. الأغيار لا يعنيهم من سوريا والسوريين إلا خيرات البلد وثرواتها، ولا مانع عندهم من بقاء نصف هذا الشعب مهجّرًا طالما يستفيدون من خبراته ورؤوس أمواله. ولا يمكن مطالبتهم بالتحنن أو التكرم، فالحنان والتكارم يكون فقط أثناء أو بعد الكوارث والأزمات الطارئة، ويكون بالحد الأدنى الذي يُبقي على الرمق، ولكن ليس بمستوى إعادة إعمار أو إعادة تأسيس دولة.
كل هذه الجهود التي تتوجه لاسترضاء الخارج لن تُجدي السوريين نفعًا؛ بل على العكس تنال من قدرهم ومقدراتهم، والأولى استرضاء الشعب بكل مكوناته، لأنه وحده الذخر والسند لأي حكومة أو حاكم. وبغض النظر نوع السلة وحجمها ومتانتها ومصدرها يدرك المزارع الناصح في طريقه إلى السوق أن كل البيض لا يوضع في سلة واحدة، فهل يمكننا التعلم وتطبيق هذا المبدأ السياسي البديهي، أم أن علينا في كل مرة إعادة اختراع العجلة، وتكرار النتائج نفسها انطلاقًا من المقدمات نفسها؟