No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، تعيش “حورية خلف محيمد”، امرأة خمسينية أنهكها المرض والحرمان، وتحتضن داخل معاناتها قلبًا مثقلاً بالحزن وطفلًا صغيرًا عاجزًا عن المشي، لا يعرف من الطفولة سوى صورها في دفتر رسم صغير.
رحلتها مع الألم بدأت منذ ولادة طفلها البكر “عبد الرحمن ياسين عبد القادر”، الذي لم يتجاوز السادسة من عمره، وُلد مصابٌ بشللٍ نصفي نتيجة خلل في العمود الفقري، حال دون قدرته على الوقوف أو الحركة منذ أيامه الأولى، ومنذ ذلك الحين، لم يعرف عبد القادر طعم اللعب، ولا لذة الركض خلف الكرة أو بين أقرانه، تقضي والدته يومها حاملته على ظهرها، تنقله بين الخيمة ودورة المياه والنقطة الطبية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
معاناة ترويها حبال خيمة
“ظهري كسر، ولكني لا أتركه”؛ بهذه الكلمات وصفت حورية حالها، بين تنهيدة وأخرى، وبعينين مرهقتين تحدثت عن تفاصيل يومها الطويل، لا تملك المال لعلاج ابنها أو حتى تأمين الدواء لنفسها أو لزوجها المريض أيضًا بالقلب، وبالكاد استطاعت تأمين كرسيٍ متحرك بعد محاولات شاقة، لكنه لم يكن كافيًا لتخفيف العبء، لا الجسدي ولا النفسي.
حورية نفسها تعاني من أمراض في القلب والعين، وكان يجب أن تخضع لعملية قثطرة لكنها خافت أن تفارق الحياة أثناء العملية، وتترك طفلها وحيداً، وتواصل الرحلة مع ابنها الوحيد الذي لا يزال ينتظر لحظة يستطيع فيها الوقوف على قدميه.
وتحدثت حورية، عن العجز الكامل في المخيم: “منذ عامه الأول علمنا أن طفلي بحاجة إلى جلسات علاج فيزيائي مكثّفة، لكننا لا نملك القدرة المادية وهنا لا توجد مراكز متخصصة، ولا معدات، حتى كرسي متحرك تأمّن بصعوبة، والدواء مفقود، والمساعدات شحيحة”.
وتابعت: “سألني لماذا لا أمشي مثل الأطفال الذين يجوبون الخيام ويلعبون هنا وهناك؟ لم أستطع الإجابة ولا توجد أي جلسات للدعم النفسي له”.
غياب الدعم
وعند السؤال عن الدعم الذي تلقوه من المنظمات الإنسانية العاملة في المخيم، أجابت حورية بمرارة: “سجلنا اسمه مع أكثر من جمعية، وفي كل مرة يخبروننا أنهم سيرون وضعه. لكن؛ لليوم لم نر شيئاً”، وتضيف: “لم يطلب شيئاً سوى المشي مثلهم وأنا لا أملك جواباً سوى دموعي”.
وعن الصعوبات التي تعيق حورية: “لا يوجد معيل للعائلة، فزوجي مريض قلب، وأنا أحمل الكثير من الأمراض، وشلل طفلي سبب لنا صعوبة كبيرة والحفاظات التي توزعها المنظمات باتت قليلة ولا تناسب مقاسه لذلك أجبر لحمله إلى المرحاض، وأجلسه أمام الخيمة، ولكنه يراقب الأطفال وتزداد حالته سوءاً”.
وفي زاوية خيمتها، يحتفظ طفلها “عبد الرحمن عبد القادر” بدفتر صغير يرسم فيه أطفالًا يلعبون ويمشون، بينما يرسم نفسه دومًا جالسًا، لا يقف حتى في خياله: “يعلم أنه غير قادر على الوقوف حتى في رسمه”.
وتابعت: “لا أطلب معجزات، ولكنني أريد أن يشعر عبد الرحمن كأنه كباقي الأطفال ولو بدعم نفسي أو معنوي فاللباس الجديد لا يجده، والألعاب لا يراها سوى بندرة، ولا توجد مراكز مختصة للترفيه عنه أو دعمه”.
ورغم كل ما مرت به، لا تطلب “حورية خلف محيمد” الكثير، حيث اختتمت حديثها: “لا نريد المال أو قصوراً أو خيمة جديدة أو سلل مساعدات، أريد مساعدة بسيطة بجلسات علاج، فأنا وزوجي لا نعلم متى نموت ونتركه خلفنا”.
وبين جدران الخيمة وغياب الدعم، يبقى الطفل “عبد الرحمن ياسين عبد القادر” وحيدًا في معركته مع العجز، تُؤنسه أمه وأحلام صغيرة يخطها في دفتر، لعلّ يوماً ما يتحقق منها ما يُمكّنه من الوقوف ولو للحظة.
والجدير بالذكر، أن قصة الطفل “عبد الرحمن ياسين عبدالقادر” واحدة من عشرات القصص في مخيمات التهجير، حيث يعيش أطفال من ذوي الهمم دون رعاية، ودون صوت يُنقل معاناتهم إلى العالم.
No Result
View All Result