No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في مخيمٍ ناءٍ على أطراف الوجع، تجلس امرأةٌ لا شيء فيها يشبه الحياة، إلا عينيها، وهما تحدّقان في الفراغ، كأنهما تبحثان عن ظلٍّ لخمسة وجوه رحلت، تعيش “يارا أحمد محمد” بين نباتات صغيرة قطفتها من قاع الألم، وقططٍ هاربة من الحروب وجدت في حضنها وطناً أكثر رحمة من العالم.
في خيمةٍ باهتة ككفنٍ علّقته الأيام فوق رأسها، قرب حبال الغياب، تجلس “يارا أحمد محمد”، امرأة في السابعة والخمسين من عمرها، بصمتٍ يشبه الصراخ، وتروي الأرض بماء عينيها، لا تشتكي، ولا تتذمر، فقط تزرع، وكأنها تصالح الحياة التي سرقت منها كل شيء، كل زهرة حول خيمتها، كل قطّة ترتجف في حضنها، كل دعاء تهمس به قبل حقنة الأنسولين هو شهادة على أنّ في بعض النساء قوة لا تفهم بل تبكي.
نزحت يارا قبل سنوات طويلة من حلب إلى سري كانيه، ثم إلى قرى منبج، فمخيم مبروكة، ثم مدرسة لبيب أبو ربيعة، إلى أن استقر بها المقام منذ أربع سنوات في مخيم نوروز، حاملةً في قلبها ما لا تحمله الجبال، قصة امرأة فقدت كل شيء وبقيت واقفة.
فقد وصبر
حين كانت يارا في الحادية والعشرين، خطف الموت زوجها فجأة، بلا وداع ولا مقدمات، في وقت كانت الحياة ما تزال تمنحها وهماً ناعماً بالحب، لكنها استيقظت على كفّ الحزن، لتبقى وحيدة مع خمسة أطفال، صغار يحتاجون إلى أكثر من حنان، إلى أمّ لا تبكي كي لا يخافوا، وأب لم يكن موجوداً.
مرت السنوات طويلة وهي تكافح، ليكبر الأطفال ويصبحوا في ريعان الشباب، وبدأت أحلام الاستقرار ترفرف أمام عينيها، تزوج هذا تريد رؤية أحفادها، أما الثاني مازال صغيراً وعليه إكمال دراسته أما ابنها الثالث فقد عشق الحيوانات؛ فتريد أن تفتح له مزرعة أغنام بمساعدة أخوته يساعدونه فما زالا صغيرين. لكن؛ الحرب جاءت وحشاً أعمى، هجّرتها من بيتها، وشردتها، وأحرقت ذكرياتها، والأحلام تبخرت في مهب الريح، ومع كل نزوح كانت تفقد شيئاً، أولاً أغنامها أكثر من 500 رأس ماتت خلال الاشتباكات، لم ينجُ منها سوى ثلاث، وبيتها دُمر، والصور والذكريات وحتى أبواب الغرف اختفت تحت الركام.
رغم ذلك، حافظت يارا على الأمل، فطالما أولادها معها لن تخاف شيئاً، يمكنهم البدء من جديد لا يهم المكان فهم معاً، وقد تعلقت بالحياة وأحبت الحيوانات، وربّت أبناءها على حب الزراعة والطبيعة، وثم جاء عام 2020، وفي لحظة حنين، قرر أولادها الخمسة العودة إلى منزلهم المدمر في سري كانيه، بحثاً عن بقايا حياة، لكنّ الموت كان بانتظارهم عند العتبة.
لغمٌ مزروع انفجر حين فتحوا الباب، خمس أرواح طارت دفعة واحدة، وبقيت يارا وحدها، لم تصرخ، لم تستطع، كانت العبرة أعمق من الدموع. أصيبت بالسكري جراء الصدمة، ومع الوقت، تطوّر المرض حتى اضطر الأطباء إلى بتر ساقها، حين أخبروها بذلك، قالت ببساطة موجعة: “ألم فقدي لأولادي أكبر من أي وجع”.
حياة على ركام الألم
ورغم الألم، لم تستسلم، ففي خيمتها، زرعت أصص الزهور الصغيرة وأطلقت على كل نبته اسماً، وحولها القطط تقفز، تسقي النباتات، وتحادثها، لا تُنبت الأزهار من التراب فقط، بل من وجعها، ودموعها، ومن بقايا حلمٍ لم يمت.
قطط كثيرة وجدت ملاذاً عند خيمتها، فكانت تطعمها وتحدثها كأنها أولادها: “القطط رفيقتي الوحيدة، كنت أجالس الأطفال في الماضي. لكني؛ اليوم لا أخرج كثيراً من أسوار خيمتي، ولكني أملك قططي الصغيرة التي تنسيني همومي في لعبها في الأرجاء”.
تتلقى جرعتَي الإنسولين يومياً من الهلال الأحمر الكردي، تتشبث بما تبقى من خيط الحياة، لا تملك سوى خيمتها، وزهورها، وقططها، وشيء لا يملكه كثيرون قلباً صامداً وسط الخراب، وتاريخاً من الصبر.
حين تنظر إليها، ترى فيها سوريا وحربها، ترى أماً فقدت بيتها، وزوجها، وأولادها، وصحتها، وأطرافها… لكنها لم تفقد إنسانيتها.
هي اليوم لا تُعرف باسم، بل بلقب “أمّ الفقد” لا أحد في المخيم يذكر اسمها الأول، فقط يعرفون أنها أرملة الحرب، التي فقدت كل شيء، ولا تزال على قيد الحياة، تصارع الذاكرة، وتزرع ورداً فوق الركام، وحكاية تخرُج منها الدموع دون استئذان، قصتها ليست مجرد مأساة، بل هي مرآة لكل أمّ ماتت مراراً، لكنّها لم تُدفَنن لتنهكها الحرب، ويخذلها العالم.
No Result
View All Result