دجوار أحمد آغا
أواسط تسعينات القرن الماضي، قامت السلطات الفاشية التركية بعمليات عدوانية انتقامية واسعة النطاق في مناطق باكور كردستان، على خلفية تصاعد مقاومة التحرير التي كانت تخوضها قوات الدفاع الشعبي (الكريلا) ضدها، حيث قامت باستهداف المدنيين والعمل على تهجيرهم قسراً، لإفراغ القرى والمزارع، واتباع سياسة الأرض المحروقة في مسعى منهم للوصول الى تحقيق انتصار على الكريلا، الذين كانوا يكبدونهم خسائر فادحة، رغم القوة المفرطة التي كانوا يستخدمونها.
خلال تلك السنوات وتحت وطأة اشتداد المعارك والقتل والتدمير، اضطرت الآلاف من العوائل الكردية الانتقال عبر الجبال الوعرة وتجاوز الحدود المصطنعة، بين باكور وباشور كردستان واللجوء الى مناطق باشور، التي نقلتهم فيما بعد عن طريق الأمم المتحدة، وعبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الى منطقة مخمور، حيث تم تخصيص أرض وبناء مخيم لهم، وهم يسكنون في ذاك المخيم الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم الشهيد رستم جودي.
بدأة تأسيس المخيم
يعود تاريخ تأسيس المخيم الى العام 1998، حيث اتفقت الحكومة العراقية وحكومة باشور كردستان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، على إنشاء هذا المخيم الواقع في قضاء مخمور، بين محافظتي الموصل وهولير، والمخيم يبعد عن هولير، 70 كم، بينما يبعد عن الموصل 105 كم، يقطن في المخيم ما لا يقل عن 12 ألف شخص، جميعهم من أهالي باكور كردستان، الذين فروا من ظلم وبطش السلطات الفاشية التركية، وكعادة الكرد أينما كانوا، فهم يهتمون بمكان سكنهم، لأنهم مع مرور الوقت قاموا بتحويل هذه الخيام إلى مساكن مبنية من الإسمنت، وأصبح المخيم بمثابة بلدة صغيرة.
قام أهالي المخيم بتنظيم أنفسهم وتشكيل مجلس لإدارته، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة، هذا المجلس المشكّل يعبر عن إرادة أهالي المخيم، وتم تسميته مجلس الشعب، يقوم المجلس بكافة المهام الملقاة على عاتقة بدءًا من حماية الأهالي وتأمين مستلزمات الحياة اليومية، وصولاً الى متابعة أوضاعهم وأعمالهم حتى خارج المخيم، وفي الأماكن التي يعملون فيها، المجلس لديه رئاسة مشتركة، ونواب يقومون بتسيير وتسهيل أمور الأهالي في مختلف مجالات الحياة وفق الإمكانات المتاحة، كما أنه يُشرف على حماية المخيم وبناء المدارس والتعليم، بالإضافة الى التفاوض مع المؤسسات الأممية والحكومة المركزية في بغداد، في سائر الأمور التي تهم الأهالي.
خلال الهجمات التي شنها داعش على مناطق واسعة في سوريا والعراق، ومن ضمنها شنكال ومخمور في العام 2014، وكواجب وطني وقومي كردي، قدمت مجموعات من مقاتلي الدفاع الشعبي إلى المخيم، للدفاع عنه في وجه هجمات “داعش”، الذي وصل حينذاك إلى أبواب المخيم، وبالتالي كان يشكل تهديداً مباشراً لقاطنيه، فدافع المقاتلون عن الأهالي وقدّموا أرواحهم في سبيل حمايتهم، وبعد أن استقر الوضع وتم هزيمة مرتزقة داعش، والقضاء عليها، وكذلك قيام أبناء وبنات المخيم بتلقي التدريبات لحماية أنفسهم، في حال حدوث أي اعتداء آخر، عاد مقاتلو الكريلا، الى مواقعهم في مناطق الدفاع المشروع.
المخيم والعقدة التركية
أهالي المخيم رفضوا الخضوع والاستسلام للمخططات التركية، التي تقول: إن هؤلاء يشكلون خطراً على أمنها القومي، فهم معرضون للهجمات التركية المستمرة، وهم من المدنيين، ومعظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، سكان مخيم مخمور (الشهيد رستم جودي)، وطنيون يحبون وطنهم كردستان، وبحكم أنهم من باكور كردستان، أنضم الكثير من أبنائهم إلى صفوف الكريلا، بمحض إرادتهم، من أجل تحرير أرضهم والعودة الى أماكنهم الأصلية تلك التي هُجّروا منها قسراً.
تواصل السلطات التركية قصفها المستمر على المخيم، حيث تجعل الحياة فيه صعبة للغاية، فلا يستطيع الإنسان معرفة في أية لحظة ستقوم الطائرات الحربية التركية، أو المسيرات، باستهداف المخيم، وأي الأماكن تستهدف، لذا؛ هم في حالة ترقب دائمة، ونذكر بأنه ليس هناك أي نقطة عسكرية، أو تواجد مقاتلي قوات الدفاع الشعبي، في المخيم، لكن ورغم ذلك، تواصل السلطات التركية استهداف المخيم، بشكل مستمر ومتعمد، وهي بذلك تستهدف إرادة المجتمع الكردي الحرة، والتي استطاعت أن تحول المخيم إلى بلدة نابضة بالحياة، والمقاومة، رافضة الخنوع والذل والهوان.
المخيم يقع في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية في بغداد، وحكومة باشور كردستان، فلم تكن هناك قوة فعلية في المنطقة، من أي من الطرفين، كي تكون قادرة على حماية المخيم وقاطنيه، من الهجمات الجوية المستمرة لتركيا، والتي دوماً كانت تتحجج بوجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في المخيم، بعد انسحاب المقاتلين، طلبت من الحكومة العراقية دخول المخيم، الأمر الذي رفضه الأهالي، وبالتالي قام الجيش العراقي بفرض حصار خانق على المخيم، وسط اعتصامات جماهيرية واسعة من أهالي المخيم، ومناشدات من الجهات الدولية الخاصة باللاجئين، حيث تم رفع الحصار جزئياً. لكن؛ ما يزال المخيم تحت التهديد الحكومة العراقية، التي اعتقلت في الآونة الأخيرة بعض أعضاء مجلس إدارة المخيم ومن ثم أطلقت سراحهم.
حماية المخيم مسؤولية دولية
رغم أن الحكومة العراقيّة التي كانت برئاسة نوري المالكي، في العام 2011، قد اعترفت بأن المخيم رسمي، تابع للأممِ المتحدة، وأقرّت التعامل مع سكانه كلاجئين في 18/1/2017، وأصدرت هويات لقاطني المخيم في تموز 2019، وبموجبها يحقّ لهم التجولُ في العراقِ بكاملِ الحريّةِ، إلا أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تقم بتجديد هذه الهويات منذ أيلول عام 2023، الأمر الذي يسبب إشكاليات للأهالي خاصة ممن يعملون في أماكن مثل بغداد، والموصل، وكركوك.
وغالباً ما يتم إعادة العمال من أهالي المخيم، من القوى الأمنية وعلى الحواجز، بالإضافة الى اعتقال البعض منهم، كما تمنع دخول المواد الطبية إلى المخيم، وتعرقل وصول المساعدات الإنسانية، والتي من المفترض أن تساعد الحكومة العراقية على توفيرها لهؤلاء اللاجئين.
تقع مسؤولية حماية قاطني المخيم، بالدرجة الأولى على عاتق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، وكذلك على الحكومة العراقية في بغداد، التي اعترفت بالمخيم كما ذكرنا سابقاً، لإن أهالي مخيم مخمور (الشهيد رستم جودي)، هم لاجئون بموجب قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بهذه المسائل، ولا بد من حمايتهم من الاعتداءات المستمرة والمتكررة من جانب السلطات التركية.
اليوم هناك ضرورة بوضع حد للممارسات الغير أخلاقية، التي تقوم بها حكومة بغداد، بحق أهالي المخيم، كما أنه من واجب المجتمع الدولي، والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، الضغط على الدولة التركية لإيقاف الهجمات، وعلى الحكومة العراقية، لفك الحصار عن المخيم، إلى حين حل القضية الكردية بنداء السلام الذي أطلقه القائد والمفكر عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025، وبالتالي عودة أهالي المخيم إلى قراهم وبيوتهم بسلام وأمان.