حجي محمود
لم يكن القائد عبد الله أوجلان مجرّد رجل نطق باسم شعبه، بل كان صوتًا عابرًا للحدود، حاملاً على عاتقه وجع المظلومين وصرخات الشعوب التي عانت من التهميش والإنكار. لم يتقدّم إلى الساحة لأنه كردي فحسب، بل لأنه إنسان آمن أن الحرية لا تعرِف عِرقًا ولا لغة، وإن العدالة لا تُقاس بالهوية القومية، بل بالكرامة الإنسانية. لكن؛ كانت البداية من الشعب الكردي، هذا الشعب الذي أوشك أن يُمحى من الوجود، لا لأنه غير موجود، بل لأن الآلة الاستعمارية أرادت له أن يُنسى، أن يُختزل، أن يتحوّل إلى ظلّ لا تاريخ له ولا صوت. وهنا، كانت الانطلاقة. لم تكن ردّة فعل، بل كانت فعلًا مؤسسًا لفكرٍ وفلسفةٍ تهدف إلى إعادة الإنسان إلى مركز الحياة، وإعادة المجتمع إلى طبيعته التشاركية.
بفكره، أنجب القائد عبد الله أوجلان ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب، لا ليقاتلوا من أجل الموت، بل ليفهموا سرّ الحياة، ويُدركوا معنى أن تكون موجودًا. في مواجهة أعتى الآلات العسكرية، وفي ظلّ تحالفات إقليمية ودولية، صمد هذا الفكر. حاولت الأنظمة سحقه، لا بالسلاح فقط، بل بالحرب النفسية، وبالإغواء، وبالإفقار، وبالاختراق… لكنّها فشلت.
لم يكن القائد عبد الله أوجلان قائدًا للحظة عابرة، بل كان قائد مراحل. لم ينتظر المستقبل، بل كتب له ملامحه قبل أن يصل. ولذلك، لم يكن السجن قبرًا لصوته، بل منبرًا أعلى لصيحته. هناك، من عزلة إمرالي، أعاد قراءة الواقع الإقليمي والدولي، وكتب للمنطقة مشروع خلاصها: “مانيفستو المجتمع الديمقراطي”.
لقد سبق الجميع في فهم إن الدولة القومية في طريقها إلى الاضمحلال، وأن الحل يكمن في الديمقراطية، لا كترفٍ سياسي، بل كمنظومة حياة. دعا لتحويل الكفاح من صراع مسلّح إلى نضال سياسي، ومن مشروع انفصالي إلى مشروع تشاركي يتجاوز الحدود، ويخاطب إنسان العصر، لا فقط شعبه. دعا إلى الحوار مع ألدّ أعدائه، لا من ضعف، بل من منطق القوة الأخلاقية والمعرفية.
كان نداءه في ذروة الحرب: “الديمقراطية هي الحل”
نداءٌ لم يكن تنازلًا، بل مشروعًا ناضجًا سبق الجميع في إدراك نهاية العنف ومصير الدولة المركزية، فارتفعت الأصوات في تركيا وخارجها، من كتّاب ومفكّرين وساسة، تُحيي ذلك النداء التاريخي وتصفه بفرصة إنقاذ حقيقية للمنطقة.
ومع هذا، استمرّت المؤامرة، لا فقط ضد شخصه، بل ضد فكره، لأنه بات يُهدّد سلطات لا تريد للأحرار أن ينهضوا. أرادوا عزله، لكنه أصبح أكثر حضورًا. أرادوا إسكاته، فصار منارة للشعوب.
اليوم، نرى الأحزاب تتهاوى، والدول تتفكّك، بينما لا يزال فكر القائد عبد الله أوجلان يحمل مشروعًا للمرحلة القادمة، مشروعًا لا يُلغي أحدًا، بل يُنهي العبودية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إنه مشروع الإنسان الحر والمجتمع التشاركي.
هذا هو القائد الأممي، الذي لم يكتب فقط لشعبه، بل للإنسانية جمعاء، هذا هو المنبر الذي لا يُكتم، ولو أُغلقت عليه الزنازين.
هذا هو القائد عبد الله أوجلان، الذي انتصر لفكرة الخلاص الجماعي على حساب ذاته. فالمجد والكرامة لكل من يحمل فكرًا يصون الإنسان، والمجد لكل من جعل من نفسه جسراً تعبر عليه الشعوب نحو نور الحرية.