دجوار أحمد آغا
تاريخ الكرد الممتد لعشرات الآلاف من السنين، لم يخلُ يوماً من البناء والحضارة والتقدم لخدمة البشرية، إلى جانب خوضه غمار المقاومة وبمختلف أشكالها دفاعاً عن هذه الحضارة وعن الشعب الكردي وبقية شعوب المنطقة، ولعل كونفدرالية الشعوب بقيادة الميديين وإنهاء امبراطورية آشور سنة 612 ق. م في نينوى خير مثال على ذلك، ربما ما قاله القائد والمفكر الكبير عبد الله أوجلان عن الواقع الحالي للشعب الكردي هو المدخل الأنسب لما نكتب عنه في مقاومة 14 تموز الخالدة.
فلنقرأ معاً ما قاله القائد عبد الله أوجلان: “الواقع الكردي المجتث من موطنه الأم، واقع مجروح يحتضر، وعجزه عن تبني وطنه الأم واللوذ عنه، إنما يعني التخلي عن تاريخه وثقافته، ويؤول في نهاية المطاف إلى التراجع عن العيش على شكل مجتمع، وعن كينونة الأمة، من هنا محال تعريف واقع المجتمع الكردي من دون وطن، ومحال على مجتمع بلا وطن أن يستمر بوجوده، أو يتخلص من التعرض للتصفية والزوال والتشرذم على التوالي في هذه الحالة.
من المستحيل إنكار وجود كردستان، حتى لو كانت واقع وطن يعاني من نير الاستعمار والإبادة، وسيستمر وجودها حتى آخر فرد صامد يطمح في العيش بحرية وبما يليق بواقع تاريخه ومجتمعه وملتزماً به، وفي هذه الحالة لن تقتصر على أنها موطن الكرد فحسب، بل وطن يشاطره الأرمن والسريان والتركمان والعرب ضمن أجواء مفعمة بالديمقراطية والحرية والمساواة، وكذلك كل فرد أو ثقافة تطمح في العيش على ثراه بحرية، وهكذا فانعدام الدولة القومية على أراضيها، لن يكون سوء طالع لها، بل حظاً سعيداً”.
كيفية التعرف إلى الكفاح الثوري
فالأعوام الممتدة بين 1968 و1973 هي الفترة الرئيسية للتعرف إلى الفكر الثوري والوعي الوطني، وذلك من خلال مجموعة من طلبة الجامعات الذين كانوا يدرسون في المدن التركية؛ لأن كردستان لم يكن فيها جامعات، وتعرّفوا هناك على اليسار الثوري التركي وبدؤوا بدراسة أوضاع المنطقة والعالم وتحليل الأحداث إلى جنب السعي لفهم الفلسفة ومعرفة القضايا الجوهرية التي تشغلها، من أهم الأحداث التي جرت خلال تلك الفترة انقلاب المذكرة في 12 آذار 1971 والتي وجهها الجيش لحكومة سليمان ديميريل للتنحي عن الحكم، ومجزرة “قيزل درة” التي جرت في 31 آذار 1972 وتم خلالها قتل القائد الثوري التركي ماهر جايان وعشرة من رفاقه الثوريين، بالإضافة إلى اعتقال القائد “عبد الله أوجلان” في السابع من نيسان 1972 وسجنه لمدة سبعة أشهر في سجن “ماماق” على إثر مشاركته في تظاهرة ضد الأحكام العرفية التي أعلنها الجيش، كما شهدت هذه المرحلة وخلال وجود القائد عبد الله أوجلان في السجن، أعدمت السلطات الفاشية التركية ثلاثة قادة للشبيبة الثورية في السادس من أيار 1972 وهم “دنيز كزميش، جسين أينان، ويوسف أصلان”، هذه المرحلة التي عرّفها القائد عبد الله أوجلان بأنها مرحلة “البحث والتعمّق” لم تشهد إنشاء أو تأسيس أية حركة أو حزب، بل كانت عبارة عن جهود مبذولة في سبيل الوصول إلى بناء وإنشاء شيء جديد مختلف عما سبقه.
دور القائد عبد الله أوجلان المحوري
شهد عام 1971، انتقال القائد عبد الله أوجلان من كلية الحقوق في إسطنبول والتي لم يستمر فيها طويلاً، إلى العاصمة أنقرة للدراسة في كلية العلوم السياسية، في أنقرة تعرف القائد أكثر فأكثر على الأفكار اليسارية والثورية، خاصة وأنه كان مناصراً لحركات الشبيبة التركية اليسارية أمثال (الشباب الثوري، المراكز الثقافية لنوادي الشرق، واليسار الثوري)، وبعد خروج القائد من السجن توجه إلى حي “أمك” في أنقرة والذي يوجد فيه الرفيقان “كمال بير وحقي قرار”، بدأ القائد بمحاولاته من أجل تنظيم الشباب الثوري وقام بطرح رؤيته حول إنشاء وتشكيل التنظيم الجديد المختلف كلياً عن الموجودين، واجتمع أول اجتماع في نوروز 1973 عند سد “جوبوك” مع خمسة من أصدقائه لكنهم لم يقتنعوا بأطروحاته سوى الرفيق الشهيد على حيدر قايتان “فؤاد”، بقي دور القائد عبد الله أوجلان محورياً في بناء وتأسيس تنظيم ثوري بنمط جديد معاير لما هو موجود على الساحة.
الانطلاق من مقولة “كردستان مستعمرة”
“كردستان مستعمرة” هذا المفهوم كان عبارة عن بداية مرحلة جديدة، منطلق لحياة جديدة، بداية ولادة شخصية نضالية استثنائية لم يسبق لها مثيل في أي مكان آخر على وجه الأرض، في ظل التناقضات الاجتماعية الحادة التي كانت تعيشها تركيا خلال بداية سبعينات القرن الماضي، انطلق القائد أوجلان ورفاقه من هذه الفكرة لخوض واحدة من أعظم معارك التحرير الوطني على مستوى العالم، وعلى الرغم عدم موافقة غالبية رفاقه على طرحه، لكن القائد عبد الله أوجلان لم يستسلم لليأس واستمر في الحوار مع رفاقه وخاصة بعد انضمام جميل بايك عن طريق كمال بير ودوران كالكان عن طريق حقي قرار، ومع انضمام مظلوم دوغان، ومحمد خيري دورموش، ومظفر آيات، ومصطفى قره سو، ورضا آلتون، وكسيرة يلدريم.
كبرت المجموعة وعقدت اجتماعها الثاني في “توزلوجاير” حيث طرح القائد مجدداً مسألة بناء تنظيم ثوري يختلف عن التنظيمات الثورية اليسارية التركية من حيث العمل والتنظيم، وانطلق المجتمعون من فكرة أن “كردستان مستعمرة” وتم وضع مشروع برنامج جبهة التحرير الوطني الكردستاني، وعلى هذا الأساس تم عقد اجتماع حاسم في العام 1976 في حي “ديكمان” بأنقرة واتخذ عدة قرارات، من أبرزها تعليق الدراسة الجامعية والعودة إلى كردستان وبدء الاحتكاك الفعلي بالجماهير الشعبية الكادحة.
تحقيق القفزات
ليس من السهل القيام بقفزات مؤثرة في مسيرة نضال شعب على شفا الانحلال والإبادة، إلى جانب أن تكون الفاشية قد جرّدت سيفها وبدأت بقطع رؤوس كل من يرفع رأسه مطالباً بالنضال والكفاح، المسألة تكمن في القدرة على استنهاض الجماهير وتحقيق القفزات، فمن لا يثق بنفسه وقدرته على مواجهة العدو، كيف سوف يقوم بتحقيق قفزات؟
لكن القائد عبد الله أوجلان ورفاقه المؤسسون الأوائل رأوا بأنه لا بد من تحقيق قفزات تاريخية في حياة شعبنا الكردي خاصة بعد أن قامت الفاشية التركية بالقضاء على ثوراته بالحديد والنار وارتكبت المجازر والويلات بحقه، الأمر الذي أدى إلى فقدانه ثقته بنفسه وبمنضاليه وكان لا بد من إعادة ثقة هذا الشعب بنفسه بالدرجة الأولى وبمنضاليه الذين كانوا على أتم الاستعداد لتقديم أرواحهم في سبيل حريته وخلاصه من الذلّ والهوان، وهكذا تحققت القفزة الأولى في تاريخ شعبنا من خلال التحضير لتأسيس حزب من طراز جديد وكوادر من نوع استثنائي.