No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ في حيّ المهاجع بمدينة الطبقة، يرتفع جامع التوبة بمئذنته الشاهقة التي يبلغ طولها 45 مترًا، ما يجعلها أطول مئذنة في المدينة، ويمثل ذلك معلمًا راسخًا في ذاكرة سكان الحي.
يوميًا، يعلو صوت الأذان خمس مرات من حنجرة واحدة، هي حنجرة خلف المحمود، المؤذن الذي لم ينقطع عن رفع الأذان منذ ثماني سنوات، رغم تجاوزه الخامسة والسبعين.
من حجر إلى ذاكرة حية
“خلف المحمود” ليس مجرد صوت مألوف، بل هو أحد أبناء هذا الحي الذين شاركوا في إعادة تشييد الجامع عام 2005، عندما توسعت مساحته وارتفعت مئذنته، ليُصبح ما هو عليه اليوم “جامعًا ومعلَمًا وذاكرة حاضرة في الأذان”.
ولم يكن جامع التوبة مجرد مكان للعبادة، فمنذ تأسيسه في ستينات القرن الماضي، لعب دورًا تعليميًا رائدًا، حيث احتضن جلسات لتعليم القراءة والكتابة للأطفال في وقت كانت فيه المدارس محدودة.
وبعد إعادة ترميمه، استعاد الجامع هذا الدور بشكل جديد، من خلال تنظيم مجالس التلاوة والتحفيظ التي تُعقد داخل أروقته، ليبقى مكانًا يجمع بين الإيمان والعلم، ويخدم أجيالًا متعاقبة من أبناء الطبقة.
الآذان رسالة
وفي فناء الجامع الهادئ بعد صلاة الظهر، التقت صحيفتنا “روناهي” المؤذن “خلف المحمود“، رجل سبعيني تقرأ في ملامحه تجاعيد التجربة والوفاء، لم يكن بحاجة إلى ورق ليتذكر التفاصيل، فكل زاوية في الجامع تشكّل جزءًا من ذاكرته.
حيث قال “المحمود”: “كنت من أوائل من ساهموا في إعادة تشييد الجامع سنة 2005. عملنا بأيدينا مع أهل الحي، وكل حجر في هذا البناء أعرفه، أعرف من وضعه ومتى”.
وأضاف: “هذا الأذان لا أستطيع أن أتركه. هو ليس وظيفة، بل رسالة. أشعر أن صوتي يربط بين ماضٍ عشته في هذا المكان، وحاضر يعيشه الناس كل يوم. حتى حين أتعب، لا أستطيع الابتعاد”.
وتابع: “كل طفل يدخل هذا الجامع، أراه وكأنه يكمل ما بدأناه. عندما أسمعهم يتلون القرآن، أشعر بالراحة. الجامع اليوم هو بيت للعلم كما كان، وأنا شاهد عليه، وصوت له، وقطعة من حجارته”.
من المهجعين إلى الجامع الكبير
وأُسِّس جامع التوبة في حي المهاجع في عام 1968، بالتزامن مع بدء تأسيس سد الفرات، حيث كان الحي يضم عمّال السد الأوائل. ومع الوقت، أصبح الجامع نقطة التقاء روحية وتعليمية، وأدى دورًا أساسيًا في تعليم الأطفال القراءة والكتابة قبل انتشار التعليم وبناء المدارس ضمن مدينة الطبقة.
تعاقب على إمامة الجامع عدد من المشايخ المعروفين في المدينة، كان أولهم الشيخ محمد العمر، وتلاه الشيخ محمد الغثوان، وكلاهما تركا أثرًا واضحًا في ذاكرة الحي والجامع.
الأذان لا يشيخ
واختتم المؤذن “خلف المحمود”: اليوم، نرى أطفالًا يدخلون الجامع لا يعرفون الحروف، وبعد أشهر يقرؤون القرآن بصوت واضح… وهذا أكبر دليل أن هذا المكان لا زال يُربّي كما كان، لا بالصوت فقط، بل بالمعنى”.
من مهجعين متواضعين في أطراف الطبقة، إلى مئذنة تعانق السماء، ومن حصص محو الأمية إلى مجالس التحفيظ… بقي جامع التوبة شاهدًا على ولادة مدينة، وعلى قلوب تعلّمت أن تجمع بين الإيمان والعلم، وأن ترفع الأذان كل يوم بصوتٍ لا يشيخ.
No Result
View All Result