تحوّل العلاقات الإيرانية الإسرائيلية
خالد آرميش
شهدت العلاقات بين إيران وإسرائيل في 13 حزيران 2025 تحولاً إلى مواجهة عسكرية، كانت سلمية حتى اندلاع الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني عام 1979، إذ كانت بداية الانفتاح الحقيقي في العلاقات بين البلدين بدأت مع سقوط نظام الشاه رضا بهلوي.
في 14 أيار 1948، أعلن دافيد بن غوريون، بصفته رئيساً للحكومة، قيام دولة إسرائيل. إعلان تأسيس إسرائيل فتح صفحة جديدة في الشرق الأوسط، رغم أن العرب أبدوا اعتراضاً على هذا الإعلان، إلا أن إسرائيل لم يُعترف بها رسمياً من قبل الأمم المتحدة إلا بعد عام من تأسيسها.
عند تأسيس إسرائيل، كانت السلطة في إيران بيد أسرة بهلوي، ورغم معارضة العرب المسلمين، أصبحت إيران ثاني دولة بعد تركيا تعترف رسمياً بإسرائيل، وهو ما سجل في التاريخ.
رغم اعتراض الدول العربية، إلا أن إيران قدمت مصالحها السياسية على التضامن الإسلامي، تطورت هذه العلاقة تدريجياً حتى وصلت إلى ذروتها قبيل الثورة الإسلامية بقيادة الخميني عام 1979.
كان الشاه بهلوي يتبع نهجاً علمانياً مؤيداً للغرب، في هذه الفترة، وفي مواجهة القومية العربية المتصاعدة في المنطقة، كانت إيران تحت حكم بهلوي تتبنى خطًا علمانياً، ومن خلال اعتراف إيران الرسمي بإسرائيل، توطدت العلاقة بين البلدين.
والمحللون الذين وصفوا العلاقة بين البلدين بأنها “تحالف إقليمي”، يرون أنها كانت موجهة ضد العرب.
علاقات سرية تمتد من التجارة إلى الاستخبارات
تطورت العلاقات بين البلدين تدريجياً من تجارة النفط (حيث كانت إيران في الستينيات أكبر مزود نفط لإسرائيل عبر أنبوب ينقل النفط من إيلات إلى أشدود) حتى التعاون الاستخباراتي.
الخبراء الذين يعتبرون أن العلاقات بين البلدين كانت “سرية”، يرون أن هذه العلاقات لم تعلن رسمياً بسبب المعارضة العربية، بل استمرت خلف الكواليس.
ولم تقتصر العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية على التجارة والسياسة فقط، بل وصلت إلى حد قيام جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” بتدريب عناصر من جهاز الاستخبارات الإيراني في زمن الشاه “السافاك”.
من جهة، كانت إيران تحافظ على سرية علاقاتها مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، كانت ترى أن العداء المشترك تجاه العرب يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وقد ظهر ذلك جلياً خلال حظر النفط الذي فرضته الدول العربية ضد إسرائيل في حرب 1973، حيث رفضت إيران الانضمام إلى المقاطعة.
بنفس الطريقة، عندما دعا الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى “مناهضة الإمبريالية”، لم تنضم إيران إلى هذا التوجه، بل عززت علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. كانت إيران ترى في الخلاف العربي الإسرائيلي فرصة لإضعاف الموقف العربي الموحد تجاهها، ومن خلال علاقاتها السرية مع إسرائيل، كانت تؤمن بأن هذا يخدم مصالحها الاستراتيجية أكثر.
الثورة الخمينية ونقطة التحوّل التاريخية في العلاقات
في عام 1979، تغير كل شيء بين البلدين بشكلٍ جذري، الثورة الإسلامية في إيران، بقيادة آية الله الخميني، أسقطت حكم الشاه، ومع عودة الخميني إلى إيران، انتهت مرحلة العلاقات مع إسرائيل وبدأت مرحلة جديدة. البلدان اللذان كانا حليفين إقليميين سريين خلال فترة الشاه، انفصلا كلياً عن بعضهما، والخميني وصف دولة إسرائيل بأنها “عدو الإسلام وشيطان صغير”.
أثر العلاقات على المنطقة
لم تكن الثورة الإسلامية ذات أثر على العلاقات بين إيران وإسرائيل فقط، بل فتحت باباً لمرحلة جديدة في عموم المنطقة. في وقت كانت التحالفات الإقليمية تعاد تشكيلها، غادر الشاه البلاد.
دراسة العلاقات الإيرانية الإسرائيلية كمراحل زمنية منفصلة بين 1948- 1979 و1979 إلى اليوم، تساعدنا على فهم خلفيات الهجمات الإسرائيلية على إيران في 13 حزيران 2025، وما قد يتبعها من تطورات.
العلاقة في قلب التوترات والخلافات
اليوم، إيران وإسرائيل، وهما فاعلان رئيسيان في المنطقة، يواجهان بعضهما لأول مرة في صراع مباشر. لكن في فترة الستينيات، كانت إيران تعتبر كحليف للولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي، وضمن ما سمي بـ”دول الطوق”، وهو مصطلح طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي، في محاولة لبناء تحالفات مع دول غير عربية كإيران وتركيا. لا سيما أن إيران كانت ثاني دولة بعد تركيا تعترف بإسرائيل، يؤكد صحة هذا التوجه، وشهدت العلاقات بين البلدين بعد عام 1979 مساراً مختلفاً.
الإيرانيون الذين عارضوا الشاه وتحالفوا مع بلدان إقليمية مثل سوريا ولبنان وفلسطين، عادوا إلى بلادهم لاحقاً وأعادوا تشكيل سياسات الدولة.
أعلن الخميني صراحة أنه لن يتصالح مع إسرائيل والولايات المتحدة، وبسبب هذا، يمكن القول إن الثورة كانت امتدادًا مبكرًا لمعاداة التقارب بين هذين البلدين، أما أولئك الذين عادوا إلى البلاد، فقد لعبوا دوراً تاريخياً في تقدم هذا الخط.
الثورة الخمينية تتبنى قضية فلسطين
مع ثورة 1979، أصبحت القضية الفلسطينية إحدى القضايا الرئيسية في أجندة إيران الجديدة، وكان هذا الواقع أحد العوامل الرئيسية التي غيرت تدريجياً طبيعة العلاقة العدائية بين إيران وإسرائيل.
ومع وصول الخميني إلى السلطة، بدأت العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين بالتدهور، وتدهورت العلاقات أكثر من عام 1980 حتى 1990. في الحقيقة، بلغ التوتر ذروته لدرجة أن إيران اعتبرت وجود إسرائيل كدولة غير شرعي.
وفي تصريح له قبل الثورة، أوضح الخميني موقفه من العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية بقوله: “من أسباب ثورة الشعب الإيراني ضد الشاه هو دعمه لإسرائيل المحتلة، لقد كان يزود إسرائيل بالنفط، وحول إيران إلى سوق لتصريف المعدات الإسرائيلية، ودعمها معنوياً بطرق مختلفة، كل ذلك فقط من أجل إرضاء الرأي العام، وكان يرى في إهانة إسرائيل وسيلة كافية لذلك، لا المسلم الإيراني، ولا أي مسلم من الدول الأخرى، ولا أي إنسان حر في الأساس، يعترف بإسرائيل رسمياً، وسنظل دائماً ندعم إخوتنا الفلسطينيين والعرب”.
واستمر الخميني بعد الثورة على هذا النهج، وقام بإغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران وتحويلها إلى سفارة لمنظمة تحرير فلسطين. لم تقتصر العلاقات المتوترة على التدهور فقط، بل ازداد العداء تجاه إسرائيل، التي كانت تعتبر سابقاً كـ”حليف” إقليمي لإيران.
في فترة الثمانينات والتسعينات (وخاصةً خلال الحرب الإيرانية – العراقية 1980-1988)، تصاعد التوتر وأصبح “الحليف السابق” في موقع العداء.
ومع أن إيران استعادت بعض قوتها بعد الحرب، فإن العراق بدأ في إضعاف نفوذه في فترة حرب الخليج، من خلال غزو الكويت في عام 1991.
قادت الولايات المتحدة تحالفاً من 37 دولة لتنفيذ عملية عسكرية في العراق، وعندما انتهت الحرب بسقوط العراق، برزت إيران وإسرائيل كلاعبين إقليميين رئيسيين.
كملاحظة، يظهر تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين عام 1987 الذي قال فيه: “إيران هي أفضل صديق لإسرائيل، ولا نية لنا لتغيير سياستنا تجاه طهران”، أن البلدين كانا، رغم كل شيء، في علاقة غرامية سرية، حتى مع وجود التوتر، استمرت العلاقات العسكرية والاقتصادية، حتى وصلت إلى مليارات الدولارات، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية.
من جهة، بخلاف الحروب العالمية الأولى والثانية، أظهرت العلاقة بين إيران وإسرائيل في تلك الفترة ديالكتيك “التقارب – العداوة” كواحدة من خصائص الحرب الباردة الثالثة.
لكن، بعد أكثر من 10 سنوات، في 13 حزيران 2025، رغم أن هذه الديناميكية تحولت إلى حرب مفتوحة، فإن التاريخ الطويل من العلاقات المتشابكة بين البلدين لا يمكن إنكاره.
محور المقاومة الإيراني وحزب الله اللبناني
بسبب توتر علاقات إيران مع إسرائيل، سعت طهران إلى إنشاء شبكة إقليمية عبر التشيع لمحاصرة إسرائيل من محيطها، كما سعت لتوسيع نفوذها خارج حدودها، وكان من نتائج هذه السياسة ظهور حركة حزب الله في لبنان.
في عام 1982، كرد فعل على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، تم تأسيس حزب الله بدعم إيراني، رغم أن الهدف المعلن للحزب هو “الدفاع عن حقوق الشيعة في لبنان”، إلا أن الهدف الحقيقي كان خوض حرب مفتوحة ضد إسرائيل حتى القضاء عليها.
أصبح تأسيس حزب الله أحد أركان “محور المقاومة” الذي أسسته إيران في المنطقة، وسعت إسرائيل لتفكيك هذه البنية بعدة وسائل، ففي عملية “عناقيد الغضب” عام 1992، اغتالت الأمين العام لحزب الله عباس الموسوي في جنوب لبنان.
ورداً على هذا الهجوم، نفذت حركة الجهاد الإسلامي المدعومة من إيران هجومًا تفجيريًا على السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس عام 1992، ما أدى إلى مقتل 29 شخصاً.
ورغم استمرار هذه التحركات، فإن “محور المقاومة” بقيادة إيران ضد إسرائيل توسّع ليشمل سوريا، العراق، اليمن ولبنان.
من الحرب السرية في التسعينيات إلى هجوم 13 حزيران
يصف الخبراء الحرب التي بدأت فعلياً بعد التسعينيات بين البلدين بأنها “حرب ظل”، فبدلاً من خوض معركة مباشرة، اختارت إيران وإسرائيل اللجوء إلى “الوكلاء” المسلحين. فبينما كانت إيران تدعم ميليشيات مثل حزب الله، كانت إسرائيل تدعم خصوم هؤلاء الوكلاء عبر التمويل والتسليح والمعلومات الاستخباراتية.
السياسة تجاه “التهديدات النووية”
رغم أن إسرائيل كانت في وقت سابق تقدم الدعم لإيران في مجالات سياسية واقتصادية وعسكرية، فإنها في مرحلة لاحقة بدأت حملة جديدة لإيقاف تطوير البرنامج النووي الإيراني.
وبينما لم تحقق إسرائيل أهدافها من سياسة “الضربات الاستباقية”، بدأت في اغتيال علماء يعملون في البرنامج النووي الإيراني، من بينهم العالم محسن فخري زاده الذي اغتيل عام 2020.
من الحرب السوريّة إلى هجمات 7 تشرين الأول
كانت سوريا أحد أعمدة “محور المقاومة” الإيراني، لأنها كانت البوابة الأساسية لنقل السلاح إلى حزب الله اللبناني ومن هناك إلى حركة حماس، ومع بداية الحرب الأهلية في سوريا، حاولت إيران نقل ساحة المواجهة بعيداً عن أراضيها.
ورأت إيران في استمرار دعمها لنظام البعث فرصة لتعزيز نفوذها وتوسيع خطوط الإمداد العسكري إلى حزب الله. وقد كان حزب الله بمثابة ممر لحماس.
بعد حرب إسرائيل – حزب الله في الفترة بين 12 تموز و14 آب 2006، توقّع المراقبون أن تكون تلك الحرب مجرد بداية لصراع أكبر قادم. ومع استمرار الحرب السورية، تعمقت العلاقات بين القوى ضمن “محور المقاومة”. لكن؛ في 7 تشرين الأول 2023، ردت إسرائيل بعملية “السيوف الحديدية” على هجوم نفذته كتائب عز الدين القسام التابعة لحماس باسم “عملية طوفان الأقصى”.
في هذه العملية، دمرت غزة بالكامل وتكبدت حماس خسائر فادحة، كما كان لهذا الهجوم تداعيات كبيرة على إيران وحزب الله اللبناني، ومع ذلك، لم تقتصر هجمات إسرائيل على غزة فقط.
في أيلول 2024، شنت إسرائيل عملية واسعة ضد حزب الله، من خلال البيجر. وفي 27 أيلول، قتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في غارة جوية، ليكون ثاني زعيم للحزب يقتل على يد إسرائيل، كما قتل عدد كبير من القيادات الرفيعة في العملية.
مع استمرار هذا المسار، ظلت إسرائيل تحتفظ بحق تنفيذ ضربات مباشرة ضد إيران. لكن حليفتها العالمية، الولايات المتحدة، تباطأت في الرد، ومع عودة ترامب إلى السلطة، بدأت مفاوضات نووية جديدة مع إيران.
وكان هجوم إسرائيل في 13 حزيران أول مواجهة مباشرة علنية بين إيران وإسرائيل، وأدى أيضاً إلى توقف المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة.