No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ في أزقة حزيمة شمال مدينة الرقة، يلوح فرن صغير كمنارة من الضوء وسط ظلال ما خلفته الحرب. قد لا يبدو ظاهرياً أكثر من تنور تقليدي، لكنه في الحقيقة مركز لإعادة رسم دور المرأة، ومنصة تقف عليها نساء خمسينيات، يواجهن قسوة الحياة بنار التنور وصبر السنوات.
وهذا الفرن ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو تجسيد لرؤية مجتمعية أشمل ضمن مبادرة “اقتصاد المرأة” التابعة لمجلس تجمع “نساء زنوبيا”.
وافتتح الفرن قبل ثلاث سنوات ليكون ملاذاً للنساء الباحثات عن الاستقلال في خضم واقع اقتصادي هش، وتعمل فيه أربع نساء يقدمن نموذجاً حيوياً لدمج المهارات التقليدية في مسار تمكين النساء. اثنتان تخبزان خبز التنور، واثنتان يشتغلن في إعداد خبز الصاج، كل منهن تجاوزت الخمسين من عمرها، ويحملن على أكتافهن ذاكرة طويلة من الصبر والخبرة.
وما يميز هذا المشروع ليس فقط الإنتاج اليدوي النظيف والخالي من المواد الصناعية، بل الصورة الأشمل التي يعكسها: نساء يتحكمن بإدارة الموارد، ويقررن مصير يومهن، ويصنعن رغيفا يحمل في تفاصيله الكرامة والمعنى.
سكوت الغازي… “عندما يسكت العالم، يرد التنور بصوتي”
ومن بين هؤلاء النساء، تبرز سكوت الغازي بوصفها الشخصية التي لا يمكن المرور بها دون انحناءة احترام. امرأة خمسينية، ملامحها تشبه رغيف التنور: سمراء، مشبعة بالحياة، متينة بالرغم من هشاشة الزمن. تقول سكوت: في تصريح خاص لصحيفتنا “روناهي” “الخبز علمني الثبات… عندما لم يكن هناك شيء، كانت النار والطحين وصوتي”.
وبدأت سكوت رحلتها في عمل الخبز أيام الحصار، حين كان الجوع أشد من الرصاص. كانت تفرش العجين تحت شمس حارقة، وتراقب النضج كما تراقب الأمل. اليوم، وبعد مرور السنوات، أصبحت لا تطهو الأرغفة فقط، بل تنقل خبرتها لنساء أصغر منهن، وتعلمهن أن رغيف الخبز يمكن أن يكون مفتاحا للحرية.
“نحن لا نخبز لنبيع فقط، نخبز لنعيش بكرامة، ونرد على الحرب بطريقتنا الخاصة”؛ بهذه العبارة تعرف سكوت مشروع الفرن الذي تعتبره امتدادا لذاتها. هي مسؤولة عن تنسيق العمل داخل الفرن، وتقسيم المهام بين زميلاتها، وتقديم التوجيه للمبتدئات.
وعلى الرغم من التعب الجسدي، تقول سكوت إنها تجد في الفرن راحة نفسية لا تقارن: “حين أسمع صوت الخبز وهو ينفخ فوق التنور، أشعر أنني أتنفس من جديد”.
هي تعرف أن الخبز الذي تنتجه يذهب إلى عائلات كثيرة، بعضها يأتي من مناطق بعيدة لأجل الطعم والجودة، لكن بالنسبة لها، القيمة الحقيقية تكمن في أن الناس يقولون: “خبز سكوت الغازي مختلف”.
“أريد أن تملك كل امرأة تنوراً في قلبها”
سكوت لا تحلم بالتوسع التجاري، بل بتحول المهنة إلى ميراث نسائي متواصل: “أتمنى أن نفتح قاعة صغيرة لتعليم البنات كيف يعجن، وكيف يشعلن النار دون أن يخشينها”.
ونظرتها للفكرة أعمق من مجرد خبز يباع، بل هي ترى في المشروع أداة لبناء علاقة جديدة بين النساء والاقتصاد. لا تؤمن بأن المرأة يجب أن تنتظر الدعم، بل أن تبني لنفسها ما تستحقه.
وفي كل صباح، تصل سكوت قبل الأخريات، تشعل النار، وتنظف المكان، وتضع الطحين جانبا. هي لا تعمل فقط، بل تهيئ الفرن كي يكون منبرا لكرامتها. تقول: “الفرن لا يطلب مني شهادة جامعية، يطلب فقط قلبي ويدي”.
ولعل ما يميز سكوت أكثر هو قدرتها على المزج بين بساطة الأداء، وعمق الفكرة، فهي تعرف أن الناس يأتون بسبب الجودة، لكنهم يعودون بسبب الاحترام الذي يمنحه الفرن.
اقتصاد المرأة بناء المجتمعات
ويقف مشروع “اقتصاد المرأة” التابع لمجلس تجمع نساء زنوبيا كإطار تنظيمي وفلسفي، يعيد تعريف دور المرأة في المجتمعات الخارجة من الحرب. منذ تأسيسه، سعى المجلس إلى خلق بيئة آمنة للنساء تمكنهن من أن يكن صانعات للمستقبل، لا ضحايا للماضي.
ويستهدف المشروع فئات النساء الأكبر سناً، اللواتي غالباً ما يتم تهميشهن في الخطط الاقتصادية التقليدية، ويمنحهن فرصة لدمج خبراتهن القديمة في مشاريع حديثة مثل فرن حزيمة، الذي يعد نموذجاً ناجحاً لإحياء المهن التراثية وربطها بضرورات العصر.
والدعم الذي يقدمه المجلس لا يقتصر على توفير المواد الخام، بل يشمل التدريب، التوجيه، والتنمية الذاتية. من خلال الورشات، تتعلم النساء مهارات التخطيط المالي، القيادة، والتسويق، مما يتيح لهن أن يتحولن من عاملات إلى مديرات ومسؤولات.
والمجلس يعتمد على فلسفة واضحة: المرأة ليست عنصراً داعماً للمجتمع فقط، بل هي ركيزته. ويؤمنُ بأن تمكين النساء يساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة، وأكثر قدرة على التعافي.
من التنور تبدأ الحكاية
واليوم، يقف فرن حزيمة مثالاً حياً على كيف يمكن لمبادرة صغيرة أن تخلق أثراً كبيراً. أربع نساء، طحين، نار، ورغيف… لكن؛ خلف هذه البساطة، توجد قصة من العزيمة، الإصرار، والوعي النسائي الجديد.
وسكوت الغازي ليست فقط خبازة ماهرة؛ هي مدرسة في الصبر، رمز في الإنتاج، وصوت لا يشبه أي صوت. ومشروع اقتصاد المرأة ليس فقط خطة تنموية، بل نواة لحياة لا تقصى فيها النساء، بل يبنى بها المستقبل.
هكذا، من حفنة طحين ونار التنور، يكتب هذا المشروع فصولاً جديدة من إعادة البناء، حيث المرأة ليست خلف الستار، بل على خشبة المسرح، تعجن بيديها ملامح الحياة القادمة.
No Result
View All Result