إعلان إدارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهابيّ بالتزامن مع تصريح المبعوث الأمريكيّ إلى سوريا توماس باراك ببدء الحوار بين سوريا وإسرائيل، يجيب على أسئلة كثيرة لطالما كانت معلقة في أطر التخمين، ولتؤكد واشنطن عبر سلسلة من الإجراءات آخرها رفع العقوبات عن سوريا، أنّها انتهت من تعويم هيئة التحرير الشام، إذ لا يمكن الحديث عن مسار السلام مع بقاء الهيئة موصومة بالإرهاب.
رامان آزاد
“تحرير الشام” خارج قوائم الإرهاب
أظهرت مذكرة نشرت على الإنترنت، الاثنين 7/7/2025، أنّ إدارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب ألغت تصنيف “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) كمنظمة إرهابية أجنبيّة. وجاءت هذه الخطوة في لإطار مسار الرفع التدريجيّ للعقوبات الأمريكيّة المفروضة على سوريا. وكانت “هيئة تحرير الشام” تُعرف سابقا باسم “جبهة النصرة”، حين كانت الفرع الرسميّ لتنظيم “القاعدة” في سوريا.
وتحمل المذكرة الأمريكيّة تاريخ 23 حزيران الماضي، وهي صادرة عن وزير الخارجية الأمريكيّ ماركو روبيو، في نسخة أوليّة من “السجل الاتحادي”.
وسبق قرار رفع اسم “هيئة تحرير الشام”، من قوائم الإرهاب سلسلة من الإجراءات الأمريكيّة واللقاءات، من الجانبين وكانت البداية بإعلان تحرير الشام حلّ نفسها عقب سقوط النظام السوريّ في 8/12/2024. وجاء القرار الأمريكيّ في سياقِ التزام إدارة الرئيس دونالد ترامب برفعِ العقوبات عن سوريا، مقابل تنفيذ شروط سياسيّة واضحة.
والتقى الرئيس ترامب الشرع في العاصمة السعوديّة الرياض في 14/5/2025، خلال جولته الخليجيّة التي شملت أيضا قطر والإمارات، في بحضور ولي العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي أردوغان عبر الاتصال الهاتفي.
وقف العقوبات عن سوريا
استبق الرئيس ترامب لقاءه بالشرع بالإعلان عن وقف العقوبات، وفي 24/5/2025 أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكيّة الترخيص العام رقم 25 لسوريا، وذلك لتخفيف العقوبات المفروضة عليها فوراً، تماشياً مع إعلان الرئيس الأمريكيّ بوقف جميع العقوبات المفروضة عليها. ويسمح الترخيص العام رقم 25 بإجراء المعاملات المحظورة بموجب لوائح العقوبات المفروضة على سوريا، ما يوقف العقوبات المفروضة عليها فعلياً.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب اللقاء، أعلن ترامب استعداده لرفع كامل العقوبات عن سوريا “لتشجيع السلام والازدهار”، مشيراً إلى أنّ واشنطن “ستواصل مراقبة التقدم المحرز من جانب الحكومة السوريّة”. وشدد ترامب على أنّ لدى إدارته أولويات واضحة، على رأسها: “اتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ومكافحة الإرهاب، وترحيل جميع الفصائل الفلسطينية، ومنع عودة داعش”.
وقال البيت الأبيض بعد لقاء ترامب مع الشرع إنّ الرئيس طلب من سوريا الالتزام بعدة شروط مقابل تخفيف العقوبات، بما في ذلك مطالبة جميع المسلحين الأجانب بمغادرة سوريا وترحيل من وصفهم بـ “الإرهابيين الفلسطينيين” ومساعدة الولايات المتحدة في منع عودة “داعش”.
في 30/6/2025، وقع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً ينهي بموجبه برنامج العقوبات الأمريكيّة على سوريا ويسمح بإنهاء عزلة دمشق عن النظام الماليّ العالميّ، وذلك في سياق تعهد واشنطن بمساعدة سوريا على إعادة الإعمار بعد حرب أهليّة مدمرة. ويأتي ذلك بعد تحول كبير في السياسة الأمريكيّة تجاه سوريا.
ويدخل الأمر التنفيذيّ حيّز التنفيذ يوم الثلاثاء، ويلغي إعلان حالة الطوارئ الوطنيّة بشأن سوريا الذي صدر عام 2004، وفقاً لموقع “المونيتور”. كما يُلغي خمسة أوامر تنفيذيّة أخرى كانت تشكّل الأساس لبرنامج العقوبات.
ولا يُلغي القرار تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” الذي فُرض عام 1979، والذي يشمل قيوداً على المساعدات الأمريكيّة ومنع تصدير الأسلحة. وأفاد مسؤول بالإدارة الأمريكيّة أن هذا التصنيف لا يزال قيد المراجعة. قد ترتب على هذا التصنيف فرض قيود على المساعدات الأمريكيّة لسوريا، وحظر بيع أسلحة لها، وإخضاع معاملات البنوك الأمريكيّة مع الحكومة السوريّة السابقة والكيانات المملوكة لها لضوابط مشددة، فضلاً عن فرض عقوبات على عدد من المسؤولين والكيانات الحكومية السوريّة السابقة.
شهد عقد التسعينات فتح صفحة جديدة من العلاقات الغربية مع سوريا، بسبب التحولات الجيوسياسيّة في المنطقة، ومشاركة سوريا إلى جانب التحالف الدوليّ في حرب الكويت والتي بدأت في 17/1/1991، وحضرت سوريا مؤتمر مدريد للسلام مع إسرائيل الذي بدأ أعماله في 30/10/1991، برعاية أمريكيّة. ومضت العلاقة هادئة بعد وصول بشار الأسد إلى الحكم بعد أبيه.
وفي 2/2/2005، أعلن الريس الأمريكيّ جورج دبليو بوش “قانون محاسبة سوريا”، خلال خطاب حالة الاتحاد السنويّ أمام الكونغرس، واتّهم سوريا بالسماح “باستخدام أراضيها، وأجزاء من لبنان من وصفهم بالإرهابيين، الذين يسعون إلى تدمير كل فرصة للسلام في المنطقة”. زادت حدة التوتر بعد اغتيال رئيس الحموة اللبنانية السابق رفيق الحريريّ في 14/2/2005 واتهام سوريا بالضلوع باغتياله.
فُرض قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا في 20/12/2019، ودخل حيز التنفيذ في 17/6/2020. وهو قانون أمريكي يفرض عقوبات واسعة لعزل النظام ويستهدف أيّ كيانٍ أو شخص أجنبيّ يقدم دعماً كبيراً للنظام السوريّ أو أيّ شخص يعمل عسكريّاً لحسابها. ويهدف القانون إلى حرمان النظام من الموارد التي يمكنها استغلاله في ارتكاب الانتهاكات ضد الشعب السوريّ. وهذا القانون مازال ساري المفعول. إلا أنّ إدارة ترامب منحت الشهر الماضي إعفاءً لمدة ستة أشهر من قانون قيصر، إضافة لرخصة عامة تسمح بإجراء معاملات كانت محظورة سابقاً، بما في ذلك التعامل مع البنك المركزيّ السوريّ ومؤسسات حكوميّة أخرى.
ووصف المبعوث الأمريكيّ الخاص إلى سوريا، توماس باراك، الأمر التنفيذي بأنه “فرصة شاملة لإعادة تشغيل الاقتصاد السوريّ”، مشدداً على أن “الرئيس ووزير الخارجية لا يسعيان لبناء دولة، بل يمنحان فرصة”. وهذا ما حدث”. ووصف خطوة، الاثنين، بأنها “تتويج لعملية شاقة ومعقدة ومؤلمة للغاية، وهي كيفية رفع هذه العقوبات”.
وقال البيت الأبيض في بيان: إن “الأمر التنفيذي يُوجه وزير الخارجية الأمريكيّ بمراجعة تصنيف هيئة تحرير الشام، التي قادها الشرع ولها جذور في تنظيم القاعدة، كمنظمة إرهابية، بالإضافة إلى تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب”. وأكد البيت الأبيض أن الإدارة ستواصل مراقبة تقدم سوريا في الأولويات الرئيسية، بما في ذلك “اتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتصدي للإرهابيين الأجانب، وترحيل الإرهابيين الفلسطينيين، وحظر الجماعات الإرهابية الفلسطينية”.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في إفادة صحفية في وقت سابق إن الإجراء سيسمح للولايات المتحدة بالإبقاء على العقوبات المفروضة على الرئيس السوريّ المخلوع بشار الأسد وشركائه، ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار المخدرات والأشخاص المرتبطين بأنشطة الأسلحة الكيماوية ومرتزقة “داعش” الإرهابي والجماعات التابعة له، إلى جانب الجماعات المتحالفة مع إيران.
بدء الحوار بين سوريا وإسرائيل
أعلن المبعوث الأمريكيّ الخاص إلى سوريا توماس باراك، الاثنين 7/7/2025، أنّ “الحوار بين سوريا وإسرائيل بدأ والجميع يسرع للتوصل إلى اتفاق”. وقال باراك في تصريح له بعد لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون في قصر بعبدا، “نريد وقف الأعمال العدائية على الحدود السوريّة الإسرائيليّة”. وكشفت وكالة رويترز عن زيارة جديدة أجراها المبعوث الأمريكيّ إلى لبنان، عشية ضربات إسرائيليّة استهدفت جنوبي البلاد.
اللافت توصيف المحادثات بين دمشق وتل أبيب بالحوار، ومعلوم في العرف السياسيّ أنّ أيّ محادثات بين طرفين تبادلا جولات الحرب توصف بالمفاوضات، وتنطوي على تبادل شروط وضمانات أمنيّة بين الطرفين. ونقلت قناة “i24NEWS” عن مصادر سوريّة أنّ الجانبين بصدد توقيع اتفاق سلام قبل نهاية عام 2025، يتضمن انسحاباً تدريجيّاً من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد التوغل في المنطقة العازلة، في الثامن من كانون الأول 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ، إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في الجولان.
فيما استبعد مسؤولون إسرائيليّون قبل أيام موافقة رئيس الحكومة السورية الانتقاليّة أحمد الشرع على توقيع اتفاق سلام مع تل أبيب دون انسحاب كامل من هضبة الجولان المحتلة، معتبرين أنّ مطالب دمشق المتعلقة بالانسحاب لا تزال تمثّل عقبة رئيسيّة أمام التوصل إلى تفاهم نهائي بين الجانبين.
وشهدت الأسابيع الماضية تصاعداً لافتا في التقارير التي تتحدث عن اتصالات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، والتي خرجت من دائرة التسريبات إلى التصريحات شبه الرسمية، خصوصا بعد أن أعلن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيليّ تساحي هنغبي، عن إشرافه الشخصي على حوار سياسيّ وأمني مباشر مع الحكومة السوريّة.
وفي وقت سابق، نقلت قناة “i24NEWS” عن مصادر سورية أن الجانبين بصدد توقيع اتفاق سلام قبل نهاية عام 2025، يتضمن انسحابا تدريجيا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد التوغل في المنطقة العازلة، في الثامن من كانون الأول 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ، إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في الجولان.
وقبل أيام، استبعد مسؤولون إسرائيليّون موافقة رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع على توقيع اتفاق سلام مع تل أبيب من دون انسحاب كامل من هضبة الجولان المحتلة، معتبرين أن مطالب دمشق المتعلقة بالانسحاب لا تزال تمثّل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى تفاهم نهائي بين الجانبين.
كما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيليّة عن مسؤولين بارزين أن المحادثات الجارية حالياً تتركز على التوصل إلى اتفاق أمني وليس معاهدة سلام، ويجري بحثها بوساطة إقليمية ودولية، وسط انخراط غير معلن من الولايات المتحدة التي تتابع سير التفاوض وتشارك عبر قنوات خلفية.
وكان الموفد الأمريكيّ إلى سوريا توماس باراك قد شدد الأحد 29/6/2025 على ضرورة توصل كل من سوريا ولبنان إلى اتفاقات سلام مع إسرائيل، مؤكدا أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران فتحت آفاقا جديدة لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط. وأضاف باراك “ما حصل للتو بين إسرائيل وإيران هو فرصة لنا جميعا للقول: توقفوا، فلنشق طريقا جديدا”، لافتا إلى أن “وقف إطلاق النار في غزة” سيبصر النور “قريبا”.
إنّ قرار توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل يجب أن يكون نتيجة لاستفتاء السوريين عليه، في ظل ظروف مستقرة وسلطة منتخبة ديمقراطيّاً، وليس في مرحلة انتقاليّة وفي ظل سلطة مؤقتة، إذ يفترض أن يتسلح المفاوض السوريّ بالاستفتاء على طاولة التفاوض فلا يقبل إلا بضمان كامل الحقوق السوريّة بالأرض وحفظ الأمن. وما تقوم إدارة الرئيس ترامب هي مقاولة سياسيّة في سياق إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وتنفيذ اتفاق أبراهام للسلام على أساس اقتصاديّ، ويبقى السؤال؛ ما الثمن الذي يحتمل أن تدفعه سوريا؟