زاوية ومضات ـ صلاح الدين مسلم
يقدّم جورج أورويل في رواية “1984”، صورة مرعبة للأخ الأكبر الذي لا يظهر في الجبهات، لكنه حاضر في كل خطاب، يراقب، يوجّه، يُعيد تعريف اللغة والحقيقة، ويقلب المعايير حتى تصبح “الحرب هي السلام” و”الحرية هي العبودية”. تلك الشعارات التي بدت عبثية ذات يوم، أصبحت منطقًا واقعيًّا في خطاب بعض النخب المنفية التي تحرّض من بعيد، وتُلبس الحرب لبوس البطولة، بينما تستقر في أوطان بديلة آمنة.
فالأخ الأكبر لا يشارك في القتال، لكنه يحدّد من يجب أن يموت، ومتى؟ ولماذا؟ وهكذا، فإنّ من يحرّض شعبه على الحرب من المنفى، باسم “عدم التنازل” و”العداء المطلق”، لا يختلف جوهريًا عن تلك الشخصية الأورويلية التي تصوغ الألم الجماعي، وتُعيد إنتاجه دون أن تدفع الثمن.
إنّ مفهوماً مثل “التنازل” يُشوَّه بشكل متعمد في خطاب التحريض السياسي. فتُحمّل مبادرات وقف العنف أو إعادة تقييم المشروع السياسي تهمة “الخيانة” أو “السقوط في فخ لوزان جديدة”، دون أن تُمنح أي مساحة لفهم معنى التكيّف الاستراتيجي أو إعادة التموضع الأخلاقي خدمةً للشعب. لكن؛ هل التنازل يعني بالضرورة الخضوع؟ وهل تغيير الخطاب السياسي لمصلحة المجتمع يعني هزيمة؟
المفارقة أنّ بعض المحرّضين يروّجون لمفهوم البطولة الثابتة ـ الثبات على الموت ـ حتى وإن كان الشعب كله يباد، بينما يعتبرون البحث عن تسوية عادلة نوعًا من الكفر السياسي.
فالجنة التي يُبشّر بها المحرّض، جنة “التحرير الكامل” أو “الانتصار الموعود”، ليست سوى فردوس خرافي يُبنى على أكوام من الجثث. إنه شكل من أشكال اليوتوبيا الدموية، حيث يتحوّل الشعب إلى مادة قابلة للفداء، والكرامة إلى عبادة للعدم.
إذا كان “العدو” هو من يرفض الاعتراف بوجودك، فهل يصبح تغيير سلوكه تجاهك بمثابة انتصار؟ أم يجب بالضرورة أن يُهزم عسكريًا ليكون النصر مشروعًا؟ هنا تبرز إشكالية فلسفية عميقة.
إن الانتصار الحقيقي لا يكمن دائمًا في سحق العدو، بل أحيانًا في جعله يُغيّر طريقه ونظرته إليك، وفي إحلال التفاهم محل الإبادة. إن إصرار البعض على تصوير أي تقارب سياسي أو تفاهم اجتماعي على أنه “خيانة” أو “خضوع” ليس سوى إصرار على البقاء في مشهد المعركة، لأنه لا يملك معنى آخر لوجوده السياسي.
حين تنتهي الحرب، ينتهي هو. وحين يعمّ السلام، تتلاشى جماهيريته التي تغذت على الدماء. فلا يمكن لأي خطاب يُشعل الحرب من بعيد، ويعيش في ظلال السلم، أن يُقنعنا بأنه مشروع تحرري. إنّ من يرفض التفاوض، ويحرّض على العنف، بينما لا يعيش تبعاته، ليس مناضلًا، بل منظّرًا للموت من خارج الميدان.
إنّ النصر السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد القتلى، بل بمدى صون الكرامة البشرية دون سفكها. وكلّ مشروع لا يُفضي إلى الحياة، هو خيانة لفكرة التحرر ذاتها.