د. طه علي أحمد
مع تعقّد المشهد السوري بفعل سنوات طويلة من الصراع، يعود شبحُ الطائفية لتحتل صدارةَ الأحداث، ليس فقط كنتاجٍ جانبيٍ للحرب، بل كعاملٍ محوري يُعيد تشكيل الواقع الأمني والاجتماعي في البلاد. فالحوادث الطائفية، التي كانت تظهر في مراحل سابقة بشكل متفرق أو محدود، باتت اليوم أشد خطرًا وأكثر تنظيمًا، بما يُنذر بتداعيات عَميقةٍ وطويلة المدى على الأمن المجتمعي ووحدة الدولة.
مجازر الساحل.. تفكك مجتمعي ونكأ للجراح التاريخية
في آذار الماضي، شهدت مناطق الساحل باللاذقية وطرطوس، وريف حماة وحمص واحدة من أعنف ما شهدته البلاد على مدار العقد الأخير، حيث قُتل أكثر من 1600 شخص من الشعب العلوي، في مجازر ارتكبتها مجموعات بعضها كان ضمن تحالفات حكومية حتى وقتٍ قريب، فيما يُعبِّر عن انزلاقٍ خطير نحو حرب طائفية غير مُعلَنة، يعززها الانقسام الحاد داخل المجموعات المسلحة، والضبابية في الولاءات. وفي الشهر التالي؛ نيسان، واجه الدروز حلقةً جديدة من سلسلةٍ الأحداث الدموية التي واجههوها على فترات منفصلة، حيث قُتِل 13 شخصَا في اشتباكات ببلدة صحنايا قُرب دمشق، والتي يقطنها سكانٌ من الشعب الدرزي، فضلاً عن مقتل نحو 200 عنصر من قوات الأمن، ثم أعقبها اشتباكات مُماثلة في مدينة جرمانا خلّفت 17 قتيلاً، الأمر الذي يُعيد للأذهان أحداثاً دموية مشابهة وقعت في حزيران 2015، عندما هاجم مسلحون من “جبهة النصرة” قرية قلب لوزة الدرزية في شمال سوريا، وقتلوا على الأقل 20 شخصاً.
الجدير بالذكر؛ إن هذه الأحدث قد تورَّط فيها عددٌ من المجموعات التي انضم بعضها إلى القوات الحكومية قبل بضعة أشهر فقط من الأحداث، ويقدر عدد المجموعات التي شاركت في هذه الأحداث بنحو 12 مجموعة من بينها قوات الأمن العام وعدد من الوحدات السابقة في هيئة تحرير الشام كالفرقة 400، ولواء عثمان، بالإضافة إلى فرقة انضمت حديثاً للحكومة كالسلطان سليمان شاه المعروفة بالعمشات وفرقة الحمزة. وكان من بينهم أيضاً مجموعات جيش الإسلام، وجيش الأحرار، وجيش العزة، فضلاً عن مسلحين أجانب كان منهم الحزب الإسلامي التركستاني، ومسلحين أوزبك وآخرين.
سياسيًا، لم ترتقِ استجابة السلطة الحاكمة لمستوى التهديدات الكامنة وراء هذه الأحداث، فرغم الإعلان عن تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث الساحل، إلا أن تأخير موعد تسليم نتائج تحقيقاتها لثلاثة شهور بعد انقضاء عملها المقرر بشهرٍ واحد، لا يُنذر بجديةٍ حقيقيةٍ في محاسبة المتورطين في الأحداث، لاسيما وأن القطاع الأكبر منهم يتداخل في بنية السلطة انطلاقاً من الأرضية الأيديولوجية المشتركة وعلاقاتهم التاريخية كونهم جميعاً يرتبطون بنفس السلسال “الفصائلي” المتطرف. واتصالاً بذلك، ففي حين تعهَّد رأسٌ السلطة الحاكمة “أحمد الشرع” وحكومته بحماية جميع المواطنين، إلا أن العنف الطائفي في المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، ثم في مجتمعات درزية محيطة بدمشق، يثير المخاوف والشكوك في قدرة الحكومة على السيطرة على هذا الوضع.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن هذا النوع من العُنف يُعمّق مشاعر الخوف والعداء بين الطوائف، ويزرع انعدام الثقة حتى داخل المجتمعات المحلية التي ظلَّت لعقود متعايشة نسبيًا. كما أن استخدام العنف ضد المدنيين، وخاصةً الأطفال والنساء، يؤدي إلى تمزيق الروابط المجتمعية، ويخلق أجيالًا محمّلة بالحقد والانتقام، مما يُطيل أمد الأزمة ويُعقّد أي مسار مستقبلي للمصالحة. بجانب ذلك، تكشف هذه المجازر عن ضَعْفٍ البنية الأمنية الرسمية وعجزِها عن ضبط المجموعات المسلحة، أو حتى التفريق بين الحلفاء والخصوم، وهو ما يُفضي إلى حالة من الفوضى الأمنية المعمّمة تُهدد الأمن الفردي والجماعي للسوريين.
الهجوم على كنيسة مار إلياس.. ضربة لرمزية التعايش ومخاوف من التهجير القسري
في 22 حزيران المنصرم تعرضت كنيسة مار إلياس في دويلعة – دمشق لهجوم انتحاري تلاه إطلاق نار أسفر عن مقتل 25 قتيلاً و 63 جريحًا، بواسطة عناصر من مجموعات متطرفة مرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام”، فيما يعد الهجوم الأكبر من نوعه ضد السوريين من الديانة المسيحية منذ 1860م، حيث شكّل مُنعطفًا مقلقًا في العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية، وخاصةً الشعوب من الديانة المسيحية، التي تعرضت لتفجيرات واستهداف لممتلكاتها قبل أسابيع في مدينة محردة، لم تختلف كثيراً عن واقعة حرق شجرة عيد الميلاد في 24 كانون الأول الماضي بإحدى المدن المسيحية في ريف حمص، الأمر الذي لا يعد مجرد اعتداء مادي على رموز دينية بقدر ما يمكن تفسيره في إطار محاولات مباشرة لضرب لفكرة التعددية الدينية في سوريا.
الأثرُ الأعمق لهذه الحوادث وغيرها يكمن في تأجيج شعور العزلة والخوف لدى الشعوب الأقل عددًا، ودفعها إمّا إلى الهجرة الطوعية أو التكتل الانعزالي ضمن مناطق مغلقة، وهو ما يُفكك وحدة النسيج الوطني. علاوةً على ذلك، فإن مثل هذه الأحداث تعكس تصاعد الخطاب الديني المتطرف، القائم على اجتثاث الآخر المخالف، مما يعمّق التصدعات في البنية المجتمعية ويقوّض أي إمكانية لإعادة بناء الثقة بين الشعوب السورية المختلفة.
تحطيم تمثال الشهداء في حلب.. أزمة رمزية تهزُّ الذاكرة الجمعية
تحطيم تمثال الشهداء الذي وقع في حلب بتاريخ الثالث من تموز الجاري، لم يكن هو الآخر مجرد خطأ إداري أو خلل تقني، بل فُسِّر من جانب قطاعات واسعة من الرأي العام، على أنه اعتداء على الرموز الوطنية الجامعة. وفي بيئة مأزومة كهذه، فإن العَبَث بالرموز التاريخية يُنظر إليه كعملٍ عدائي، يُعيد إلى الأذهان محاولات محو الهوية الوطنية لحساب هويات طائفية أو أيديولوجية ضيقة.
تداعيات هذا الحدث تتجلَّى في اهتزاز الشعور العام بالانتماء، وتآكل الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، لا سيما حين يُنظر إلى مثل هذه الحوادث كعلامة على تهميش الذاكرة الجمعية لصالح سرديات أضيق، وتتحول الرموز الوطنية، بدلًا من أن تكون أداة توحيد، إلى ساحة صراع رمزي بين الأطراف المتنازعة.
تهديدات بنيوية للأمن المجتمعي
تشير الحوادث المذكورة وغيرها إلى أن الأمن المجتمعي في سوريا بات مهددًا على عدة مستويات، حيث يتعمَّق الانقسام الطائفي مع عَسكرة الخلافات الطائفية وتحويلها إلى وقود لصراعات مسلحة، كما يتعرض النسيج الاجتماعي للتمزق نتيجة الاستهداف الممنهج لشعوب بعينها، ما يُضعف قدرة المجتمع على التعافي أو المصالحة، وهو ما بتصل بشكل وثيق بغياب العدالة الانتقالية، أو حتى الاعتراف الرسمي بما يحدث من انتهاكات، يدفع نحو ثقافة الإفلات من العقاب، ويزيد من مشاعر الغبن والاحتقان، وصولاً إلى مخاطر تآكل الهوية الوطنية بفعل استهداف الرموز والذاكرة، ما يُسهّل تفكك الدولة لصالح هويات فرعية متنازعة.
مستقبل الوحدة الوطنية في مهبِّ الريح
كل هذه الأحداث، من التفجيرات، إلى المجازر، إلى استهداف الرموز التاريخية، في ظل غياب الإرادة الحقيقة لمواجهتها من جانب السلطة الحاكمة يُسهم بدوره في رسم صورة قاتمة لمستقبل الاندماج الوطني في سوريا. ومع اشتداد الشعور بالاضطهاد لدى بعض الشعوب، خاصةً العلويين والمسيحيين والدروز، تبرز مخاوف حقيقية من موجة هجرة جديدة، لاسيما مع تعالي الصيحات الدافعة لذلك كما ظهر عبر الدعوات المتطرفة مُكبرات الصوت في المساجد التي راحت تهيج الرأي العام ضد بعض الطوائف – قليلة العدد كالعلويين – خلال أحداث الساحل وغيرها، وهو ما قد ينعكس على تفريغ البلاد من أحد أبرز عناصر ثرائها التاريخي والحضاري.
هنا نقول، إذا كانت سوريا قد شكّلت عبر العصور ملتقىً فريدًا للحضارات والثقافات، فإن استمرار الصراع الطائفي على هذا النحو يهدد بتحويلها إلى أرض مُفرغة من تنوعها، ويقوّض أي مَسعى حقيقي لبناء دولة وطنية جامعة.
الخلاصةُ إذاً، أنه إذا كانت السلطة الحاكمة في سوريا جادة في الحفاظ على كيان الدولة، فإنها مُطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى باتباع سياسات شاملة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وهو ما لا يقتصر على أعمال ضبط السلاح والحد من الميليشيات، بل إعادة صياغة هوية وطنية جامعة تُعلي من قيمة المواطنة على حساب الانتماءات الضيقة، وتعزز الانتماء إلى سوريا الموحدة، لا إلى طائفة أو حزب أو مجموعات أيديولوجية بعينها.