No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ في شارعٍ قديم من شوارع الرقة، يعلو صوت مختلف عن ضجيج الحياة المعتاد؛ صوت الكلمات الكردية، وهي تنطق بحروف واضحة داخل صف دراسي صغير، تديره مؤسسة اللغة الكردية، هنا، لا تلقن اللغة، بل تستعاد، بعد عقود من الغياب القسري.
اللغة الكردية، التي شكلت ملامح الهوية الثقافية لشريحة واسعة من سكان شمال وشرق سوريا، كانت ضحية لسياسات الإقصاء والقمع، خاصة في زمن النظام البعثي الذي مارس تعريباً ممنهجاً طال أسماء القرى والمدن، والإعلام والتعليم، وأشكال التعبير المحلي، وحرم الشعب الكردي من التكلم والتعليم بلغته الأم.
ولكن التغيير بات ملموسا، مع الجهود التي تبذلها الإدارة الذاتية الديمقراطية في الرقة، وظهور مؤسسات تعليمية تسعى لإعادة الحياة للغات المهمشة. تقف مؤسسة اللغة الكردية في مقدمة هذا المشهد، بوصفها فضاء يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وهويته.
وأُسِّست المؤسسة مؤخراً بدعم من الإدارة الذاتية التي وضعت منذ بداياتها ضرورة تمكين الشعوب من لغاتهم في أولوياتها. في ظل غياب السياسات الرسمية، التي تدعم العدالة اللغوية على مستوى سوريا، تبرز المؤسسة واحة من الأمل والتجربة المميزة.
استعادة هوية شعب
في هذا السياق تؤكد الرئيسة المشتركة لمؤسسة اللغة الكردية في الرقة أفين علي، أهمية افتتاح مؤسسة لتعليم اللغة الكردية في الرقة: “هذه الخطوة تمثل إنجازا مهما في مسيرة استعادة الحقوق الثقافية المسلوبة… نحن لا نعلم اللغة فقط، نحن نحيي ذاكرة شعب”.
وفي سردها لتاريخ اللغة الكردية في ظل الأنظمة السورية المتعاقبة، توضح أفين: “تعرضت اللغة الكردية للإقصاء في ظل تلك الأنظمة، خاصة في عهد النظام البعثي البائد، حيث كان التعريب ممنهجا، طمس كل ملامحنا بدءا من أسماء القرى وانتهاء بالإعلام والتعليم”.
وكشفت، أن افتتاح المؤسسة لا يقف عند حدود التدريس فقط، بل يتضمن إعداد مناهج جديدة ومؤسسات تعليمية تعبّر عن ثقافة المجتمع المحلي: “إنه مشروع متكامل… لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون أن يدرس بلغته، هذه ليست رفاهية، إنها حق أساسي”.
ولفتت الانتباه إلى ضرورة القيام بهذه الخطوة في باقي المناطق: “نأمل أن تكون هذه المبادرة نموذجا يحتذى به في باقي مناطق سوريا، حيث لا تزال العديد من اللغات والثقافات المحلية مهمشة وسط غياب السياسات الرسمية، التي تدعم التعددية والعدالة اللغوية”.
أنشطة المؤسسة
ومن خلال المشروع، تتفاعل المؤسسة مع الأطفال والكبار، وتوفر صفوفاً للدراسة، وورش عمل لتدريب المدرسين، وحتى فعاليات ثقافية تعزز الحضور الكردي في المشهد العام، وبذلك تؤكد الإدارة الذاتية على مساعيها لتمكين الشعوب في مناطقها من ممارسة لغاتهم بحرية، وبشكل مؤسساتي.
ويشكل إعداد مناهج تعليمية باللغة الكردية تحدياً كبيراً، إذ يستلزم إعداد مدرسين مؤهلين، وتطوير كتب تربوية غير مؤدلجة، والربط بين اللغة والهوية الثقافية بعيدا عن المفاهيم القومية المغلقة.
وتشمل أنشطة المؤسسة: تعليم اللغة في مختلف المراحل العمرية، وتدريب المعلمين، وتنظيم فعاليات تربوية ومعرفية تعزز أهمية التعدد اللغوي وتكسر نمطية التعليم الأحادي. وهي أيضاً حاضنة لنقاشات مفتوحة حول مفهوم الهوية الثقافية وسبل تعزيزها.
وفي لحظة تأمل، قالت أفين علي في ختام حديثها: “كل حرف كردي يكتب في كتابنا هو خطوة في درب الانعتاق… كل طفل ينطق بلغته الأم هو شهادة على أن الظلم لا يدوم”.
ويشار إلى أن مؤسسة اللغة الكردية، قد أُسِّست في الرقة بتاريخ 15 أيار الفائت والتي تعد الأولى من نوعها على مستوى المقاطعة، وهي مختصة بتعليم اللغة الكردية، وافتتحت أول دورة تعليمية في السابع من تموز الجاري بانضمام 25 طالباً وطالبة من مختلف الشعوب، ومن المزمع استمرار الدراسة تسعة أشهر، مقسمة على ثلاث مراحل متتالية، كل مرحلة تمتد ثلاثة أشهر، ويحصل الطلبة في النهاية شهادات من هيئة التربية والتعليم، وبهذه الشهادات يمكن للمؤهلين متابعة دراستهم في معهد إعداد المعلمين.
No Result
View All Result