No Result
View All Result
ذهب الفياض.. حين تنطق الطفولة بلهجة الرقة ويُصبح الشعر طريقًا للشفاء
الطبقة/عبد المجيد بدر ـ في ختام مهرجان السلام السادس للطفولة والذي أقيم على مدار يومين من أواخر شهر حزيران الفائت وحتى الأول من تموز الجاري على خشبة مسرح الشهيد مثنى عبد الكريم في مركز الثقافة والفن بمدينة الطبقة، لم يكن الحضور يتوقع أن يحمل صوتٌ صغير قادم من الرقة كل هذا الاتساع، ولا أن تنبعث من حنجرة طفلة في الرابعة من عمرها كل تلك الذاكرة.
إنها “ذهب الوسام الفياض”، الطفلة التي رغم صغر سنها وتبلغ من العمر أربع سنوات، أذهلت الجمهور بصوتها النقي على خشبة مسرح الشهيد مثنى عبد الكريم في الطبقة، ألقت الشعر الشعبي بلهجة الفرات الأصيلة، معبرة عن عمق التراث والهوية التي لا تزال تنبض بصوت الأطفال وبراءة الطفولة
“مرقصة الشمال”… ذهب تُلقي قصيدتها وتحاكي البلبل
بثوبها الفراتي ولهجتها العفوية، تقدّمت ذهب على الخشبة وافتتحت مشاركتها بأبياتٍ شعبية من عمق التراث الرقاوي، قالت فيها:
“أرقى المدن ما وصلت
أدناها مدللة
ونوم الضحى يلوقلها
من بين كل الطيور
هي الشاهة
مرقصة الشمال
محاورة لبلبلها”
قصيدةٌ من أربع أشطر، لكنها حملت في طيّاتها كبرياء مدينة، ودلال ضفة، وعشق فتاةٍ صغيرة لبلدتها ولهجتها. في تشبيهها، ارتفعت ذهب بالرقة فوق المدن، ووصفتها بـ”المدللة”، التي يليق بها حتى نوم الضحى. ثم صوّرتها في صورة “الشاهة” – أنثى الشاهين – لا يضاهيها سوى “بلبلها”، أي صوتها وتراثها وكلماتها.
كان الأداء تلقائيًا، صادقًا، بعيدًا عن التصنّع. وكان الجمهور مأخوذًا بها، كما لو أن الفرات نفسه قد نطق على لسانها.
مشاركات “ذهب” في المهرجانات الثقافية
منذ وقفتها الأولى في مهرجان السلام للطفولة الخامس الذي أقيم عام 2024 في مركز الثقافة والفن بمدينة الطبقة، لمعت “ذهب” وأبهرت الجمهور بثقتها وصوتها الشجي، وبدأت ذهب ترسم طريقها، ثم تألقت في 24 أيار 2025 خلال مهرجان الفرات الأدبي في مدينة الرقة، إذ وقفت الطفلة الصغيرة بين كبار الشعراء والأدباء، وألقت شعراً شعبياً باللهجة الفراتية، كأنها تبث الحياة في كلمات الأجداد ومع اختتام مهرجان السلام للطفولة السادس الذي استمر على مدار يومين، عادت ذهب لتؤكد أن صوت الطفولة حين يمزج بالتراث يصنع نداءً حياً ويزرع في الأرض بذور الأمل المتجدد.
من البيت إلى المسرح… الشعر طريق التعافي
قال والدها وسام محمد، الذي جلس متأثرًا في الصفوف الأولى، إن البداية لم تكن على المسرح، بل في المنزل، حين راحت ذهب تقلّد شقيقاتها اللواتي كنّ يلقين الشعر: “أعطيتها قصيدة للشاعر الشعبي المرحوم شلاش الحسن، وفي أقل من 15 يومًا كانت قد حفظتها، رغم أنها تعاني من بعض مشاكل النطق. واليوم، تحفظ قصيدة نزار قباني (فرشتُ فوق ثراكِ الطاهر الهدبا)، وتستعد لتقديمها في مهرجان الطفل في الرقة”.
لكن الأهم، لم يكن الحفظ، بل أن التدريب على الإلقاء ساعدها في التخلّص من التلعثم وتحسين النطق تدريجيًا: “كلما حفظت شعرًا أكثر، كان نطقها يتحسّن. صارت الكلمات تُعيد ترتيب لسانها، والشعر ساعدها على التعافي كما لم تفعل أي جلسات علاجية”.
الشعر… أداة ذهنية ومساحة اجتماعية
لا يرى وسام محمد الشعر مجرد وسيلة لغوية، بل يؤمن بأنه مساحة تربوية عقلية واجتماعية: “الشعر يوسّع مدارك الطفل ويحفّز خياله، ويمنحه ثقةً بالنفس. لاحظنا أن ذهب أصبحت أكثر جرأة في الحديث، وأكثر انسجامًا مع الأطفال والأنشطة العامة”.
تجربة ذهب، كما يؤكّد، هي مزيج من العلاج، والتعليم، والتراث، وكلها اجتمعت في قصيدة صغيرة ألقتها طفلة لا تزال تتعلم حروفها الأولى.
مفردات رقاوية حيّة في لسان الطفلة
جزء من روعة تجربة ذهب كان في تفاعلها مع اللهجة الرقاوية القديمة. إذ لم تكن تحفظ القصائد فحسب، بل تسأل عن معاني الكلمات وتبحث في جذورها.
يقول والدها: “كثيرًا ما تسألني عن كلمات مثل زلها، ولفاها، تعاكمم. وهي مفردات قد لا تُستخدم يوميًا لكنها حيّة في الشعر، وذهب بدأت تُعيدها للحياة”.
زلها: تُقال بمعنى “اطرحها أرضًا” أو “أسكتها”، وتُستخدم مجازًا للدلالة على الحزم.
ولفاها: أي حبيبها أو عزيزها، وتعني القريب إلى القلب.
تعاكمم: فعل يدل على إغلاق الفم عمداً أو كتمان الكلام، وغالبًا يُستخدم على سبيل المزاح أو الإشارة لعدم الرد.
الفن منبر سلام ومساحة للهوية
مهرجان السلام للطفولة، الذي انطلق عام 2019 بمشاركة 50 طفلًا، وصل هذا العام إلى أكثر من 550 طفلًا و18 فرقة فنية من مختلف مدن شمال وشرق سوريا. ومن خلاله، لم تكن ذهب الوحيدة التي أدهشت الجمهور، لكنها كانت الأكثر تعبيرًا عن هوية المكان ولهجته العتيقة.
في ختام المهرجان، لم تكن كلمات ذهب مجرّد أداء، بل إعلان عن جيلٍ جديد قادر على حمل الذاكرة بصوتٍ نقي، وعن طفولة لا تخجل من لهجتها، ولا تخشى من التعبير عن نفسها بالشعر والصوت والتراث.
الطفولة حين تُحاكي الفرات
ذهب الفياض ليست شاعرة صغيرة فقط، بل مرآة لطفولة تُعالج بالنطق، وتتغذّى من اللهجة، وتعبّر بالشعر الشعبي عن انتمائها العميق للرقة والفرات.
هي، كما وصفها أحد الحضور، “صوت صغير لكن واسع كالنهر، لا يهمّ كم عمره، بل ما يحمله معه من ضوء ولهجة وحنين”.
“أنا لستُ والدها… بل أول جمهورها”
وفي ختام حديثه لصحيفتنا “روناهي”، عبّر والد الطفلة ذهب، وسام محمد، عن مشاعره تجاه تجربة ابنته بكلماتٍ تحمل مزيجًا من الفخر والأبوة العميقة:
“أنا لستُ والدها فحسب، بل أول جمهور لها. في كل مرة تصعد فيها إلى خشبة المسرح، أشعر أن قلبي يصعد معها. الشعر غيّر فيها الكثير، وعلّمني أنا أيضًا كيف أن الطفل، إذا احتُضن وأُتيحت له الفرصة، يمكن أن يصبح لسانًا ناطقًا بتراثٍ كامل”.
وأضاف وقد غلبته غصة وعبرة محب: “لم أكن أتصوّر أن يكون الشعر وسيلة للشفاء، وأن يتحوّل إلى حياة. لكنني اليوم مؤمن أن القصيدة يمكن أن تكون ملاذًا، وأن يكون المسرح بيتًا آمنًا للطفولة”.
No Result
View All Result