هيفيدار حنان
ظل تمثال الشهداء في ساحة سعد الله الجابري الكائن في قلب مدينة حلب، لعقود طويلة شاهداً على تضحيات أبناء المدينة ونضالهم ضد الاحتلال الفرنسي، لم يكن هذا التمثال مجرد مجسم حجري، بل رمزا يحمل فيه تفاصيل هوية حلب البصرية والوجدانية.
إلا أن ما جرى في ليلة 2- 3 تموز أثار موجه جدل واسعة بعد إزالة التمثال بطريقة وصفت انها “غير لائقة”؛ ما أدى إلى تحطمه جزئيا وإثارة مشاعر الغضب والحزن في الشارع السوري. وسط اتهامات بالتقصير والإهمال، بل والنية المبيتة لإزالة التمثال بالكامل.
اعتدنا على رؤية تمثال الشهداء شامخا في ساحة سعد الله الجابري، نمر بجانبه فنشعر بأن التاريخ لا يزال حاضرا، وأن نضال السوريين ضد الاستعمار لم يكن يوما مجرد حكاية من الماضي. لقد كان هذا التمثال لنا، وللسوريين عموما، رمزا لكرامة وطن، وإرثا بصريا وروحيا ينبغي صونه وحمايته.
لكن ما حدث مؤخرا تجاوز التصورات كلها؛ فبدلا من أن يكرم التمثال كما يليق به، اختار مسؤولو الحكومة الانتقالية أن يزيلوه بطريقة أثارت الاستغراب والامتعاض، دون أدنى حس بالمسؤولية التاريخية أو الرمزية. ولم تزد تبريراتهم التي لم تقنع أحدا إلا الطين بلة، فكما يقول المثل الشعبي: “عذر أقبح من ذنب”.
تمثال الشهداء في ساحة سعد الله الجابري بمدينة حلب هو عمل نحتي بارز أُنجز في ثمانينات القرن الماضي، ويُعتبر أحد الرموز البصرية والتاريخية المهمة في المدينة. أنشئ التمثال تحديدا في عام 1985 على يد النحات الحلبي المعروف عبد الرحمن مؤقت، وهو أحد أبرز الفنانين التشكيليين السوريين في القرن العشرين، واشتهر بأعماله العامة التي تدمج بين الرمزية والواقعية التعبيرية.
جاء إنشاء التمثال بمشروع حكومي لتخليد ذكرى “شهداء الجلاء”، أي المقاومين السوريين الذين واجهوا الاحتلال الفرنسي حتى نيل الاستقلال عام 1946، ويمثل العمل تحية فنية لهؤلاء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل حرية الوطن. صمم التمثال ليكون جزءا من التكوين المعماري لساحة سعد الله الجابري، وهي الساحة المركزية في المدينة، والتي حملت اسم أول رئيس وزراء سوري بعد الاستقلال. وقد استخدم النحات الحجر الأصفر الحلبي المحلي، ما منح العمل بعدا جماليا وجغرافيًا يعكس هوية المدينة المعمارية، ويؤكد على الارتباط بين الذاكرة الوطنية والمكان.
التمثال يجسّد مشهدا رمزيًا للمقاومة والتضحية، ويُعد من أبرز الأمثلة على النحت الوطني في سوريا خلال العقود التي تلت الاستقلال، وظل حتى لحظة تحطيمه في عام 2025، عنصرا ثابتا في الذاكرة البصرية لسكان حلب وزوارها، وموقعا تُقام عنده فعاليات ومناسبات عامة عديدة.
كما أصبح مع الزمن جزءا من المشهد الثقافي العام للمدينة، وارتبط بذاكرة أجيال متعاقبة، ليس فقط من الناحية الجمالية، بل بوصفه رمزا للتاريخ النضالي الجماعي الذي ساهم في تشكيل الهوية الوطنية السورية.
المشهد لا يخلو من المفارقة، خرجت السلطات المحلية ممثلة بمجلس مدينة حلب لتبرر إزالة تمثال الشهداء بزعم “حمايته من التهالك”، وكأن أفضل وسيلة لحماية الإرث هي سحقه أولا! وعلى طريقة “نكسّر لنُرمّم”، أفادت التصريحات بأن العملية جاءت تمهيدا لتزيين الساحة بشاشة ضخمة للفعاليات العامة، وكأن المدينة تعاني من نقص في الشاشات لا الرموز.
أما محافظ حلب، عزام الغريب، فلم ينس أن يضع لمسة درامية حين أكد أن ما جرى “خطأ في التنفيذ”، ثم طمأن الناس بأن التمثال سيُرمَّم ويُنقل إلى المتحف، وكأن المسألة مجرد لعبة ليغو أُسيء تركيبها! ولم يكتفِ بذلك، بل وعد أيضا بمسابقة لاختيار تصميم جديد يعبّر عن “ذاكرة المدينة”، لكن يبدو أن الذاكرة الوحيدة التي تُحترم حاليا هي ذاكرة الفعاليات والإعلانات، لا ذاكرة النضال والتاريخ.
على الجانب الآخر، رأى كثير من السوريين ونشطاء الثقافة والتراث أن ما حدث لم يكن مجرد خطأ فني، بل خطوة مقصودة لطمس رمز بصري يمثل حقبة وطنية مهمة. وزادت حدة الغضب بعد تداول مقطع فيديو لأحد العمال وهو يصف التمثال بـ “الصنم”، مما فتح بابًا لتفسيرات أيديولوجية عن دوافع الإزالة.
غابت الشفافية عن مشهد إزالة التمثال، ولم تُعرض أية خطة واضحة أو استشارة فنية أو مجتمعية قبل اتخاذ القرار. هذا ما جعل الكثيرين يشعرون بأنهم أُقصوا عن قرار يخص ذاكرتهم الجمعية، خصوصا أن التمثال لم يكن مجرد قطعة فنية بل رمزا متجذرا في وجدان المدينة.
ما حدث يعيد فتح ملف التعامل مع الرموز البصرية في المدن السورية، وضرورة وجود رؤية واضحة تحفظ التراث وتحترم مشاعر المجتمعات المحلية.
التمثال الذي صمد أمام الزمن والحرب، لم يصمد أمام “إجراء إداري”، ما يطرح تساؤلات حول معنى الحفظ والهوية في مرحلة ما بعد الحرب.
يبقى تمثال الشهداء – وإن تحطم – حيا في ذاكرة أهالي حلب. وربما يشكّل ما حدث فرصة لمراجعة السياسات الثقافية المتعلقة بالتراث الحضري، والعودة لإشراك المجتمع في صياغة رموزه، لأن المدينة ليست مجرد حجارة، بل تاريخ يُحفر في الوجدان قبل أن يُنحت في الحجر.