No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ “أمي كما لم يرها أحد سواي، فحب أمي لوحة لا تنتهي” بهذه الكلمات عبر الفنان أنور سليمان محمد عن لوحته التي رسم فيها والدته بألوان اتسمت بالتأمل والوجدانية، حيث عبر من خلال ريشته عن تفاصيل والدته، وتعب وكفاح الأم وصبرها الذي لا ينتهي.
تمثل اللوحة الزيتية بعنوان “أمي” عملاً فنياً يحمل بين تفاصيله الكثير من المشاعر الصادقة والانتماء العميق للجذور، وهي من إبداع فنان جسّد والدته في لحظة يومية بسيطة، لكنها تنبض بالكرامة والتاريخ، فقد اختار الفنان أن يُخلّد والدته بهذه الصورة الواقعية التي تمزج بين البساطة والرمزية، حيث تظهر المرأة المسنّة وهي تحمل دلواً من المعدن في يدها اليمنى، وتشدّ طرف ثوبها بيدها الأخرى، وهي تسير بخطا بطيئة، لكنها راسخة. وقد أسرت هذه اللوحة كل من شاهدها فالفنان لم يرسم امرأة، بل رسم وطناً صغيراً يسير على قدميه، رسم والدته كما يراها في ذاكرته ووجدانه، لا كما تراها العين المجردة، فيقف المشاهد أمام هذا العمل ليشعر بأنه دخل إلى حياة كاملة، لا إلى لحظة عابرة.
اعتراف عاطفي يخلد باللون
فيما تُبرز ملامح المرأة في اللوحة تعبيراً عن الحكمة، والصبر، والكدّ الطويل، ووجهها الهادئ، المُضاء بضوء خافت يشبه الغروب، يحكي عن عمرٍ من الصبر، وحنانٍ لا يُقاس، وتعبٍ لم يُشتَكَ، والضوء في اللوحة ليس صدفة أو تركز للظلال والنور، بل أن الفنان أراد أن يكسو والدته هالة من قدسية الحياة، فالتجاعيد في وجهها تختزن حكاية من السهر والعطاء والصبر الجميل، وترتدي المرأة لباساً تراثياً يحمل دلالات ثقافية عميقة؛ الرداء التقليدي المطرّز، والحطة السوداء المطرّزة بالرموز البيضاء، تنقل إحساساً بالانتماء العريق إلى البيئة الريفية أو البدوية، وتُضفي على المشهد بُعداً حضارياً وجمالياً.
إن تجسيد الأم في هذه اللحظة اليومية يُعيد للذاكرة قيمة البساطة، والعلاقة الروحية العميقة التي تربط الإنسان بأمه، وبأرضه، وبتاريخه من خلال هذا العمل، واللوحة تحمل في روحها صورة أمّ تمثل جيلاً كاملاً من النساء اللواتي حملن العالم بصمت، ولم تحتج اللوحة إلى مبالغة أو زخرفة، لأن صدق الشعور كفيل بأن يُجَمّل كل تفصيل.
هذا وقد اعتمد الفنان على ألوان دافئة مثل البني، والبرتقالي، والأسود، في مقابل خلفية يغلب عليها الرمادي المائل إلى الأزرق مع لمسات صفراء وبرتقالية، توحي إما بشروق الشمس أو غروبها؛ ما يضفي على اللوحة إحساسًا بالسكينة والحنين، كما أن الإضاءة الجانبية تعزز الشعور بالعمق، وتسلط الضوء على تفاصيل اللباس وتجاعيد الوجه واليدين؛ ما يعكس مهارة الفنان في التعبير الواقعي.
وللألوان التي اختارها الفنان دلالات وجدانية فالبني والأحمر الداكن يرمزان للتراب والدفء، بينما مزيج الألوان في الخلفية، يوحي بأن الزمن هنا لا يُقاس بالساعات، بل بالقلوب التي تعبت كي تستمر الحياة.
تمشي الأم في المشهد حاملة دلواً من المعدن، بثقلٍ لا يُقاس بوزنه بل بسنوات التعب التي انسكبت فيه، ويدها الأخرى تمسك بطرف ثوبها الطويل، وكأنها ترفع التاريخ عن الأرض حتى لا يتّسخ، واتجاه نظر الأم المنكفئ إلى الأرض، تجسيد للتواضع والرضا، وتُذكرنا بما يُمكن أن تُخفيه الملامح الهادئة من قوة داخلية هائلة.
وما ذكر سابقاً فاللوحة تخرج من إطار الفن محوَّلةً رسالة وجدانية من ابن إلى أمه، واعتراف عاطفي لا يقال بالكلام بل يخلد باللون والخط والظل لقد رسمها لا ليعرضها، بل ليحفظها من الغياب، وليروي للمتلقي شيئاً من جمال الحب الذي لا يُنسى، فقد استطاع الفنان أن يوثق مشهدًا إنسانياً خالداً، سيظل يلامس وجدان كل من يراه. والفنان أنور سليمان محمد من بلدة عابرة التابعة لناحية جل آغا بدأ في ممارسة الرسم منذ 15 سنة بالألوان الزيتية، وتعتمد مجمل لوحاته على المرأة فقد جسدها من مقاومة وأم وطفلة ويهدف من خلال فنه لإيصال مشاعره للناس كما يشارك في العديد من المعارض المحلية على مستوى مقاطعة الجزيرة.
No Result
View All Result