No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر – يتواصل الانخفاض الحاد في منسوب مياه نهر الفرات، ضمن سياسة دولة الاحتلال التركي في حبس المياه عن الأراضي السوريّة، ما يُهدد بخروج سد الفرات بالكامل عن الخدمة، في كارثةٍ تضع ملايين السكان أمام خطر العطش والجوع والظلام.
ومع اقتراب سد الفرات من بلوغ “المنسوب الميت”، بدأت تداعيات الجفاف تضرب البنية التحتية في إقليم شمال وشرق سوريا، وسط صمت رسمي وعجز دولي عن كبح ممارسات تركيا المائية التي تنذر بانهيار متعدد الأوجه.
شريان يذبل… وصرخة حياة تتلاشى
سد الفرات الذي طالما كان شريان حياة ملايين السكان، يواجه اليوم واحدة من أخطر أزماته الوجودية منذ إنشائه في سبعينيات القرن الماضي، بفعل تناقص غير مسبوق في تدفق نهر الفرات من الأراضي التركية. الانهيار المائي يهدد بتوقف محطات التوليد الكهربائي، وتعطيل أنظمة الري، ونفوق الثروة الحيوانية، ما يضع المنطقة بأكملها على حافة كارثة بيئية ومعيشية لا تقل خطورة عن الحروب المسلحة.
بلوغ السد المنسوب الحرِج
وفي هذا الخصوص؛ قال الإداري في إدارة السدود بإقليم شمال وشرق سوريا عماد عبيد: “انخفض منسوب بحيرة الفرات أكثر من سبعة أمتار، وتم استهلاك 80 بالمئة من المخزون الاستراتيجي، ونحن الآن على بعد أمتار من بلوغ المنسوب الميت، ما يعني توقف السد نهائياً عن العمل”.
وأضاف: “الكمية التي تصل من تركيا لا تتجاوز 250 متراً مكعباً في الثانية، في حين تنص الاتفاقيات على ضخ 500 متر مكعب كحدٍ أدنى، هذه الكمية لا تغطي حتى معدلات التبخر الطبيعية، فضلاً عن السحب من محطات الخفسة والبابيري”.
سد استراتيجي على شفير الانطفاء
فيما أكد الرئيس المشترك لهيئة الطاقة في مقاطعة الطبقة بإقليم شمال وشرق سوريا ماجد العبدو: “إن انخفاض إنتاج الكهرباء إلى النصف، وتراجع ساعات التغذية من 16 ساعة يومياً إلى أقل من عشر ساعات، وقد تصل قريباً إلى أقل من أربع ساعات في اليوم الواحد”.
وقد أبرمت سوريا وتركيا في 17 تموز 1987 اتفاقاً مؤقتاً التزمت فيه أنقرة بضخ 500 متر مكعب في الثانية من المياه على الحدود مع السورية، وفي 1989 وُقّعت اتفاقية ثلاثية مع العراق لتوزيع مياه نهر الفرات بنسبة 42 بالمئة لسوريا و58 بالمئة للعراق.
غير أن تركيا ماطلت لاحقاً في الالتزام بهذه الاتفاقات، وبدأت تخفض الكميات تدريجياً، مستغلة انشغال دول الجوار بأزماتها الداخلية، ومتذرعة بحاجة مشاريعها التنموية للمياه (كسد أتاتورك) الذي يعتبر من أكبر السدود في تركيا.
ويعد سد الفرات أكبر منشأة مائية في سوريا، ويخزّن مياه بحيرة الفرات وهي من أكبر البحيرات في سوريا بسعة تخزينية تبلغ نحو 14 مليار متر مكعب، ومنسوب أعظمي يصل في الظروف الطبيعية إلى 304 أمتار، ويغذي السد شبكة توليد كهربائي بقدرة إنتاجية تصل إلى 880 ميغا واط، عبر ثماني عنفات، ما يجعله ركيزة أساسية للطاقة في شمال وشرق سوريا.
وتشير التقديرات الفنية إلى معدل التبخر من سطح بحيرة الفرات يصل إلى 80 متر مكعب في الثانية يسحب ما يقارب 70 متر مكعب بالثانية عبر محطتي “الخفسة والبابيري” في الريف الغربي لمقاطعة الطبقة بإقليم شمال وشرق سوريا و70 متر مكعب بالثانية عبر قناة البليخ، ما يفاقم تراجع المنسوب ويقرب الخطر.
الزراعة تختنق… والمزارع يهاجر
ووصف الرئيس المشترك للجنة الزراعة والثروة الحيوانية في مقاطعة الطبقة بإقليم شمال وشرق سوريا “أحمد العبد” واقع الأرض والمواشي بقوله: “تضررت أكثر من 60 بالمئة من الأراضي المروية، ونفقت أعداد كبيرة من الأبقار والأغنام؛ بسبب انعدام المياه، هذا الواقع القاسي أجبر العديد من المزارعين على الهجرة الداخلية أو الخارجية”.
وتابع: “مشاريع الري التي كانت تعمل على مدار الساعة، باتت تعمل نصف المدة فقط، ومن المتوقع أن تنخفض قريباً لست ساعات يومياً، ما يهدد الموسم الزراعي الحالي بالفشل التام”.
وأضاف العبد: “إنتاج القمح تراجع من 330 ـ 500 كغ للدونم الواحد ليبلغ 25 كغ فقط في بعض المناطق، هذا ليس تراجعاً طبيعياً بل انهيار حاد، وندخل فعلياً في منطقة العجر الغذائي”.
واختتم الرئيس المشترك للجنة الزراعة والثروة الحيوانية في مقاطعة الطبقة بإقليم شمال وشرق سوريا “أحمد العبد” حديثه: “هذه حرب تشنُ علينا من تركيا، لكنها ليست حرباً بالرصاص، بل حرب مياه والموت فيها بطيء وأشد وجعاً”.
اتفاقات مُعلّقة… وصمت رسمي
رغم تصاعد التحذيرات من منظمات دولية وإنسانية، بشأن ما يجري في مناطق حوض الفرات، لم يصدر حتى الآن أي موقف دولي حاسم يردع السياسات التركية المائية، أو يضمن الالتزام بالاتفاقات التاريخية بين دول حوض الفرات (تركيا، سوريا، العراق).
وكان وزير الموارد المائية العراقي “عون عبد الله” قد أعلن في 24 أيار الماضي التوصّل لاتفاق مع تركيا لإعادة ضخ المياه لمنسوب 500 متر مكعب بالثانية، إلا أن الجانب التركي لم يلتزم به حتى تاريخه.
وفي سياق داخلي، كانت هيئة الطاقة في الإدارة الذاتية الديمقراطية بإقليم شمال وشرق سوريا قد توصلت لتفاهم مع وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية في اجتماع عقد في حلب بتاريخ 19 حزيران 2025، لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وحماية سد الفرات، وتأمين احتياجات المنطقة، إلا أن هذا التفاهم لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، وسط ظروف حرجة تستدعي تدخّلاً عاجلاً لتفادي الكارثة.
وحتى أن تلتزم الحكومة السوريّة الانتقالية صمتاً مطبقاً، دون أن تبادر أي تحرك فعلي على المستويين الإقليمي والدولي، بينما تظل حياة ملايين السكان على المحك.
“نداء إنقاذ”
وفي الختام؛ قال الرئيس المشترك لهيئة الطاقة في مقاطعة الطبقة بإقليم شمال وشرق سوريا ماجد العبدو: “سد الفرات ليس مجرد منشأة، إنه قلب نابض لمجتمع كامل، إذا توقف سيتحول الوضع من أزمة لانهيار، نناشد المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، وكل من يملك ضميراً بالتدخل العاجل قبل أن نصل لنقطة اللا عودة”.
No Result
View All Result