زاوية ومضات ـ صلاح الدين مسلم
يُعدّ كتاب نظرية ما بعد الكولونيالية للمفكرة الهندية ليلا غاندي أحد أبرز المداخل التأسيسية لفهم حقول ما بعد الاستعمار من منظور ثقافي ونقدي وفلسفي. من خلال كتابها ضمن مشروع أكاديمي واسع يهدف إلى كشف البنى المعرفية التي لا تزال، رغم “انتهاء” الاستعمار رسمياً، تتحكم في تمثّلات الشعوب والهويات والسياسات في المجتمعات التي خضعت سابقاً للهيمنة الإمبريالية.
تنطلق ليلا غاندي من تعريف النظرية ما بعد الاستعمارية بوصفها حقلاً نقدياً يعنى بكشف آثار الاستعمار الممتدة في الثقافات والمجتمعات المستعمَرة. لا يقتصر هذا الحقل على تحليل الماضي الكولونيالي، بل يتجه بدرجة أساسية إلى دراسة استمرار أنماط السيطرة الثقافية والمعرفية والسياسية التي تنجو من لحظة الاستقلال السياسي، فالعالم ما بعد الاستعماري، وفق ليلا غاندي، ليس عالماً خالياً من الاستعمار، بل هو عالم يواصل فيه المركز الغربي فرض تصوّراته ومفاهيمه على الأطراف السابقة.
ترجع النظرية ما بعد الكولونيالية إلى أعمال مفكرين بارزين أسسوا هذا الحقل، من أبرزهم: فرانز فانون: في تحليله لآثار الاستعمار على نفسية المستعمَرين، وعلاقته بتشييء الأجساد السوداء.
إدوارد سعيد: في أطروحته المركزية الاستشراق، حيث بيّن كيف شكّلت الثقافة الغربية صورة نمطية عن الشرق في خدمة مشاريعها الإمبريالية.
غاياتري سبيفاك: التي ناقشت في مقالتها الشهيرة هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ الصمت البنيوي المفروض على المستعمَرين في الخطابات الغربية.
هومي بهابها: الذي طوّر مفاهيم مثل “التهجين” (Hybridity) و”الموقع الثالث”، مسلطاً الضوء على تفكك الهوية في السياقات ما بعد الكولونيالية.
تستعرض ليلا هذه الجذور باعتبارها محاولات متقاطعة لتقويض السرديات الغربية عن التقدم والتحضر، وكشف التواطؤ بين المعرفة والسلطة الاستعمارية.
يتسم تحليل ليلا غاندي بتركيز خاص على العلاقات الجدلية بين النظرية ما بعد الاستعمارية والحقول النظرية الأخرى، وخصوصاً الماركسية والنسوية. فهي تشير إلى التقاء هذه الحقول في نقد الهيمنة، مع وجود توتر واضح ناجم عن اختلاف المنطلقات، فمن جهة، تميل الماركسية إلى تغليب البنية الطبقية والتفسير الاقتصادي، بينما تسعى نظرية ما بعد الاستعمار إلى التركيز على الهوية والتمثيل والاختلاف الثقافي.
أما النقد النسوي، فقد تفاعل بدوره مع ما بعد الكولونيالية، خصوصاً في إبراز تقاطع النوع الاجتماعي (الجندر) مع العرق والموقع الجغرافي، غير أن ليلا غاندي تشير إلى وجود مركزية غربية أحياناً في النسوية تجعل من نقدها ناقصاً دون الانتباه لتجربة النساء في الجنوب العالمي.
تذهب ليلا غاندي إلى أن النظرية ما بعد الكولونيالية ليست مجرد مشروع تفكيكي لنقد الاستعمار، بل هي مشروع مقاومة أخلاقية وسياسية، يسعى إلى تحرير الفكر من التبعية الثقافية والنفسية، ومناهضة النسخ المعاصرة من الإمبريالية والعنصرية. إن ما بعد الاستعمار، كما تصفه ليلا غاندي، ليس نهاية للاستعمار، بل مساحة صراع رمزي ومعرفي مستمر مع مركزية الغرب.