روناهي/ الرقة ـ في أحد أزقة الرقة القديمة، يتردد وقع خطوات نساء من مختلف الأعمار نحو مشغل يحمل لافتة بسيطة كتبت بخط عربي تقليدي “مملكة التخريج ـ تراث بروح معاصرة”، ليس مشغلاً صغيراً، بل نافذة على ذاكرة الرقة وعبقها التراثي، يقودها شاب يُدعى “أحمد العبود”، خطّ اسمه بخيوطٍ من شغف وصبر ومثابرة.
“أحمد العبود”، ابن الرقة، يبلغ من العمر 28 عاماً، ورغم صغر سنّه، مضى في طريق الخياطة منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، في حين كان الكثير من أقرانه لا يزالون يلهون في الحارات، بينما كان هو ينحني فوق ماكينة خياطة قديمة، يتعلّم تفاصيل مهنة الأجداد على يد أخيه الأكبر.
من الخرج إلى الكطش.. رموز وهوية
وقد روى “أحمد العبود” خلال لقاء خاص مع صحيفتنا “روناهي”: “كنت أراقب أخي وهو يعمل، كنت مأخوذاً بطريقة لف القماش وسحر الألوان، وفي لحظة ما، علمت أن هذه المهنة ستكون طريقي”.
فالخياطة للعبود، ليست حرفة، بل وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية لنساء الرقة، لقد ركز في عمله على تصميم وخياطة الأزياء التراثية مثل “الخرج، والزبون، والكِطِش”، التي كانت تميّز نساء المدينة منذ عقود: “هذه الأزياء ليست ملابس فحسب، بل لغة مرئية تعبّر عن هوية الرقاويات عن فرحهنّ بمناسباتهن، وعن حزنهنّ”.
وفي البداية، لم تكن مهمته سهلة، فالمجتمع يتجه نحو الحداثة، والجيل الجديد يرى في التراث عبئاً، لكن العبود قرر التحدي، فبدأ بجمع القصص من جدات الحي، يستمع لهن عن معنى كل زي ومتى يرتدى، ومن ثم، أضاف لمساته الخاصة التي دمجت بين الأصل والحداثة؛ ما جعله محط أنظار الصغير قبل الكبير: “أردت أن تفتخر الفتاة الشابة بارتداء الزبون كما تفعل والدتها وجدتها، لكن بلون وخط قصة يناسبان جيلها أيضاً”، علّق العبود وهو يشير إلى تصميم حديث لزبون بلون الخزامى الملكي، مزخرف بخيوط ذهبية دقيقة.
وبدأ العبود، من غرفة صغيرة في منزل العائلة، بآلة خياطة مستعملة وبعض الأقمشة التي حصل عليها بالدين، كانت البداية متواضعة، ولكن زبونته الأولى كانت مفتاح التغيير: “قالت لي: أحمد، أنت بتخيط الذاكرة مش الثوب، وأنا بدي أرجع ألبس ذاكرتي”، تذكر العبود عبارة زبونته الأولى بابتسامة واعتزاز.
ومع مرور الوقت وازدياد الطلب، استطاع العبود، أن يفتتح متجره الخاص في قلب سوق الرقة، حيث أصبح اسمه معروفاً، ليس فقط مصمّماً وخيّاطاً، بل حامل رسالة، فقد صمم المتجر بحيث يشبه المجلس التراثي من حيث الوسائد المطرزة تزين الزوايا، والمرايا العتيقة تعكس جمال التصاميم.
“كل زاوية في هذا المحل تحكي حكاية، أريد للزائر أن يشعر أنه عاد بالزمن، ولكنه لم يغادر الحاضر”.
والمثير في قصة العبود، أنه لا يعمل وحيداً، بل حوّل متجره إلى ورشة لتدريب الفتيات والشباب على مهنة الخياطة، لا سيما الأزياء التقليدية، فقد يرى في ذلك استثماراً بعيد الأمد في الهوية المحلية، “إذا أردنا للتراث أن يعيش، علينا أن نعلّمه لليافعين، لا أن نحبسه في المتاحف”.
وقد خرجت ورشته أكثر من عشرين متدرباً خلال السنوات الماضية، فبعضهم أسس مشروعه الصغير الخاص، وجميعهم يرددون اسم “أحمد العبود” بكل فخر وامتنان.
حين يصبح الثوب رسالة سلام
ولم يخفِ العبود، أن ما عاشته مدينته من اضطرابات ترك فيه أثراً عميقاً، لكنه اختار أن يجعل من الإبرة والخيط أداةً لبناء الجسور بدلاً من الجدران: “في خياطة الثوب، نعيد ترميم هوية تشظت، ونقول إننا ما زلنا هنا، بثقافتنا، بحكاياتنا، بثيابنا التي تتكلم أكثر منا أحياناً”.
واليوم، لا يقتصر زبائن “أحمد العبود” على سكان الرقة، بل تأتيه طلبات من دير الزور والحسكة ومن المغتربين السوريين في أوروبا الذين يتوقون للمسة من الماضي تزين مناسباتهم.
وخلال سؤالنا لـ “أحمد العبود” في الختام: ما حلمك القادم؟، أجاب بلا تردد: “أحلم بأن أرى الخرج والكطش في عرض أزياء عالمي، لأقول هناك إن الرقة حاضرة، وإن ثقافتنا لا تموت”.