روناهي/ الرقة -في مشهد يعبر عن وعي متزايد بدور المرأة في صناعة السلام وتحقيق العدالة، شهدت مقاطعة الرقة ندوة حوارية لافتة نظمها مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية، بالتنسيق مع مجلس المرأة في حزب سوريا المستقبل، تحت عنوان “أهمية دور المرأة في العدالة الانتقالية”، الاثنين بتاريخ 30 حزيران الفائت.
الندوة لم تكن مجرد لقاء للنقاش، بل تحولت منصة تعبر فيها النساء عن رؤيتهن لمرحلة ما بعد النزاع، وتصوراتهن لدورهن في تأسيس مجتمع ديمقراطي عادل، لا تقصى فيه النساء ولا تغتال فيه الذاكرة الجمعية.
من ضحايا إلى شريكات في صناعة العدالة
أكدت المشاركات أن العدالة الانتقالية، ليست مجرد آلية لمعاقبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات، بل هي إطار شامل يتضمن المحاسبة، والتعويض، وكشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، وهي خطوات لا يمكن أن تنجح دون مشاركة حقيقية وفعالة للنساء. وقالت الإدارية في مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية “ضبية الناصر“، في مداخلتها: “العدالة الانتقالية تمثل جسراً للعبور من الاستبداد إلى السلم الأهلي، وعندما نصل إلى هذا السلم، يمكننا أن نبدأ فعلياً في بناء وطننا سوريا”.
وأضافت أن أي سلطة تتولى قيادة البلاد مستقبلاً، ستكون أمام اختبار حاسم في مدى جديتها بإنصاف السوريين كافة، وليس فقط بالمحاسبة، بل من خلال إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
الرقة… من أنقاض الحرب إلى نهضة النساء
ومنذ تحرير الرقة من قبضة مرتزقة داعش، تحولت المدينة ساحة لإعادة البناء المجتمعي، ليس فقط من حيث البنية التحتية، بل في ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق خلال سنوات الحرب. وتشكل النساء في الرقة محوراً أساسياً في هذا المسعى، من خلال تأسيس منظمات مدنية، والمشاركة في المؤسسات المحلية، والسعي لتوثيق الانتهاكات التي طالت النساء بشكل خاص.
وفي هذا السياق، اعتبرت عضوة حزب سوريا المستقبل “ناهد الرجب“، أنّ الحديث عن العدالة دون تمثيل نسائي هو أمر ناقص. وتابعت: “المجتمعات الخارجة من النزاع، تكون بحاجة إلى عدسة نسوية تحليلية، قادرة على فهم الأبعاد المختلفة للمعاناة، خاصة أن النساء لا يزلن في كثير من الأحيان الضحايا الأكثر تهميشاً”.
المرأة ليست فقط شاهدة على الألم، بل قادرة على تحويله إلى فعل ومقاومة ومبادرة. هذا ما عبرت عنه المشاركات في الندوة، معتبرات أن النساء قادرات على المساهمة الحقيقية في عمليات المصالحة الوطنية، بتوسيع المشاركة السياسية والمجتمعية، وتعزيز قيم التعدد والتسامح.
كما وأكدت العديد من الحاضرات أن تجربة المجتمعات التي خاضت حروباً ونزاعات أثبتت أن استبعاد النساء من مسارات العدالة الانتقالية يؤدي إلى نتائج محدودة الأثر، في حين أن إشراكهن يساهم في بناء سلام أكثر ديمومة وشمولاً.
معوقات بنيوية وتحديات راهنة
رغم هذا الحراك النسوي، لا تزال النساء في سوريا عموماً، وفي الرقة على وجه الخصوص، يواجهن تحديات كبيرة تمنعهن من الوصول الكامل إلى مراكز القرار، وأبرز هذه التحديات:
-الهيمنة الذكورية في المؤسسات السياسية والاجتماعية.
-التهميش الإعلامي لقضايا النساء والعدالة.
-نقص الموارد التعليمية والتدريبية اللازمة لتمكين النساء.
-ضعف الثقافة القانونية لدى شرائح واسعة من النساء حول حقوقهن.
ولمواجهة هذه التحديات، طالبت ناهد الرجب بـ “بناء برامج تدريبية نوعية، وإيجاد مساحات آمنة للنساء، وتوفير موارد تثقيفية تسهم في تعزيز حضورهن في مواقع صنع القرار”.
العدالة الانتقالية… تعريف وأبعاد
وحسب تعريف الأمم المتحدة، العدالة الانتقالية هي مجموعة من الإجراءات القضائية وغير القضائية تنفذ في فترات الانتقال من النزاع أو الاستبداد إلى السلام، وتشمل ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار.
وفي السياق السوري، تكتسب العدالة الانتقالية طابعاً خاصاً نظراً لتعقيد المشهد السياسي، وتعدد الفاعلين، والانتهاكات، ما يتطلب نموذجاً سورياً خاصاً يأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي والاجتماعي، وخصوصية دور النساء في المجتمعات المحلية.
توثيق الانتهاكات ومعاناة النساء
ناقشت الندوة كذلك، أهمية دور النساء في توثيق الرواية الجمعية وتسجيل الانتهاكات، ليس فقط لحفظ الحق، بل لضمان عدم إعادة إنتاج ممارسات القمع والنسيان. فالتاريخ يكتب أحياناً من وجهة نظر المنتصر، لكن في العدالة الانتقالية، يجب أن يكتب من وجهة نظر الضحايا والناجيات. وطالبت المشاركات بإنشاء مراكز أرشفة نسوية توثق شهادات النساء ومعاناتهن خلال سنوات الحرب، كخطوة ضرورية لتحقيق عدالة الذاكرة.
كما وأجمعت المداخلات على أن العدالة الانتقالية لا تعني فقط العقاب، بل هي مسار طويل يبدأ بـ “المحاسبة الجادة”، ويمر بـ ” جبر الضرر والتعويض”، وينتهي بـ “المصالحة المجتمعية”.
غير أن هذا المسار يتطلب إرادة سياسية قوية، ومشاركة مجتمعية واسعة، خاصة من النساء، لضمان أن تكون العدالة شاملة ومستدامة.
واختتمت ناهد الرجب كلمتها: “لتحقيق العدالة الاجتماعية، لا بد من محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تتعارض مع قوانين حقوق الإنسان، وتحقيق المصالحة الوطنية، وبناء دولة القانون، ووضع ضمانات حقيقية تمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل”.
ورغم التحديات الهائلة، يظهر الحراك النسوي في الرقة، أنّ النساء لم تعد تكتفي بلعب دور المتفرج أو الضحية، بل أصبحن قائدات للتغيير، ومهندسات لمستقبل أكثر عدلاً وسلاماً.
العدالة الانتقالية، بالنسبة لهن، ليست مجرد شعار سياسي أو مطلب نخبوي، بل هي حق، وضرورة، وأمل لبناء سوريا جديدة يحترم فيها الإنسان، وترفع فيها كرامة النساء كجزء لا يتجزأ من كرامة الوطن كله.