منذ لحظة انهيار نظام بشار الأسد وسقوطه، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الفوضى الأمنيّة العميقة فلم يكن سقوط النظام إلا تبادل أدوار، ومن اعتلى سدة الحكم لم يكن حمامة سلامٍ موعودة، حيث لم تمضِ أيام قليلة على ابتهاج السوريّين وفرحهم بسقوط نظامٍ قمعي مستبد إلا ووجدوا أنفسهم أمام نظام آخر لا يختلف كثيراً إنما بعباءةٍ أخرى.
حمزة حرب
فلم يعد للسوريين مرجعيّة تضبط الأمن، ولا سلطة تحميهم بعدما حلّت المجموعات محلّ الدولة، وتنازعتِ المجموعات غير المنضبطة السيطرة، فيما غياب القانون، وانهارت البنية الاجتماعيّة واستفحلت القبضة الأمنيّة التي تعود مرجعيتها إلى ولاءات متنازعة، وتحوّلت البلاد إلى أرضٍ رخوة تتماوج فيها المجموعات المسلحة التي لم تتوافق يوماً لا أيديولوجيّاً ولا عقائديّاً ولا حتى تنظيمياً فيما استمر انعدام سبل الأمن عن المواطن السوريّ الذي بات هدفَ معركة لم يخترها.
سقوط النظام لم يُغيّر الواقع
بينما رفعت شعارات “الحرية والعدالة” في سوريا بعد سقوط النظام، وجد المواطن نفسه في مناطق الحكومة الانتقاليّة أمام نموذجٍ آخر من الانتهاكات، هذه المرة تحت اسم “الثورة” و”بناء الدولة الجديدة” حيث تتكرر حوادث الاعتقالات التعسفيّة في مناطق سيطرة الحكومة الانتقاليّة، لتُظهر أنّ حلمَ التغيير لا يزال مهدداً بذات أدوات القمع التي أسقطتِ النظامَ السابق فبدلاً من محاسبة مرتكبي الجرائم، يُعتقل النشطاء والصحفيين وتُلاحق الأصوات المستقلة، وتُقمع الآراء، في مشهدٍ يُنذر بإعادة إنتاج الاستبداد في ثوبٍ جديدٍ وعناوين مختلفة.
فبعد أن انهار النظام السابق كان السوريّون يعوّلون على مستقبل قد ينتهي معه الاستبداد والعبث بحياة ومستقبل السوريين وكانت عيونهم شاخصة على مستقبل حر وآمن، إلا إنّه وبدل من ذلك ظهرت سلطات متفرقة في الجغرافية السوريّة، لكلٍّ منها أجندتها، وأجهزتها، وطرقها في فرض السيطرة، وفتح هذا الانقسام الباب أمام قوى خارجيّة لترسيخ نفوذها، مدّعيةً حماية مناطق بعينها، لكن في الواقع، كان التدخّل الخارجيّ عاملاً مفاقماً لحالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمنيّ.
ظهرت في مرحلة ما بعد السقوط عشرات المجموعات التي رفعت شعار حماية الأهالي، لكنها تحوّلت لاحقاً إلى سلطات أمنيّة بديلة، تفتقر للمهنيّة، وتعمل غالباً وفق مصالحها الضيقة. ففي الشمال الغربي، تُتهم ما تسمى بالمعارضة بالتورط في الخطف والتعذيب والسيطرة على الأملاك. وفي الشرق، تتعرض “قسد” لاتهامات مفبركة بالقمع واحتجاز المعارضين في صورة معركة لاستهداف مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، فيما بات الجنوب مسرحاً للاغتيالات اليوميّة على خلفيات متعددة عشائريّة وسياسيّة.
في معظم الحالات، يُعتقل الأفرادُ من منازلهم أو من الحواجز دون مذكّرة قضائية، ويُحرمون من التواصل مع ذويهم أو توكيل محامي، وهو ما يعيد إلى الأذهان ممارسات أفرع الأمن التابعة للنظام السابق، وتعمل بعض الهيئات القضائيّة في مناطق الحكومة الانتقاليّة تحت مظلة المجالس المحليّة أو العسكريّة، ما يُفقدها استقلالها ويجعلها رهينة لأجندات المجموعات المسيطرة.
في كثير من الحالات، تتحول المحاكم إلى واجهة لتبرير قرارات اعتقال اتُّخذت مسبقاً لأسباب سياسية أو أمنيّة مفترضة فغياب قوانين موحدة، وعدم وجود دستور يُحدد صلاحيات الاعتقال والاحتجاز، فاقم من الوضع، وسمح بتوسع الصلاحيات الأمنيّة دون ضوابط.
أصبح العمل الإعلاميّ في مناطق الحكومة الانتقاليّة محفوفاً بالمخاطر فقد سُجلت حالات اختفاء قسريّ لصحفيين ومدونين، منهم الصحفيّ المعروف حسن ظاظا، فضلاً عن تهديد واعتقال من يغطّي قضايا فساد أو يتحدث عن التجاوزات الأمنيّة ورغم الحديث المتكرر عن “حرية الرأي والتعبير” كقيمةٍ للحرية والعدالة، إلا أنّ الواقع يعكس سلوكاً مناقضاً تماماً، تحكمه عقلية أمنيّة ترى في النقد تهديداً، لا ضرورة لبناء وطن أفضل.
الفلتان الأمنيّ سيد الموقف
من أبرز مظاهر الفلتان الأمنيّ في سوريا ما بعد الأسد هو تصاعد الاغتيالات السياسيّة والانتقاميّة، حيث قُتل عشرات القادة العسكريّين والناشطين المدنيين، في ظل عجز الجهات المسيطرة عن كشف الفاعلين أو محاسبتهم اُغتيلت وجوه بارزة في المجتمع المدنيّ وغالباً ما تُسجّل هذه الحوادث ضد “مجهول” إلا أنّها حرب صامتة تُدار في الخفاء لإعادة ترتيب مراكز القوة بحسب محللين والسلطة إما أنّها عاجزة عن ضبط الإيقاع أو أنّها مستفيدةٌ من هذا الواقع.
ولم يكن انهيار النظام سياسيّاً وعسكريّاً فقط، بل قَضائياً أيضاً فلم يعد هناك نظام عدليّ موحد، وبات المدنيون يُعتقلون دون محاكمة، ويُغيّبون في معتقلات تابعة للمجموعات أو للسلطة التابعة للحكومة الانتقاليّة وهو ما يعني غياب العدالة الذي بات سبباً مباشراً في تدهور الأمن، وما عاد المواطن يثق بأيّ جهةٍ ولا يلجأ إلى أيّ سلطة لحماية حقه.
بينما بقي الجنوب السوريّ، خصوصاً في السويداء التي لم تتمكن أيّ جهة تابعة للسلطة في دمشق من فرض الأمن المستدام بل تتكرر حالات الغليان والغضب وسط هواجس كبيرة تحيط بالشعب الدرزيّ هناك ومخاوف على مستقبلهم بعد أن تعرض أبناء السويداء في ضواحي دمشق جرمانا وأشرفية صحنايا ومناطق أخرى لخطابات كراهية وعنصريّة وتم تهجيرهم من بعض المناطق التي يتواجدون فيها باتجاه السويداء.
فيما تتوالى محاولات التسلل من قبل تنظيمات متطرفة تسعى الى إعادة فرض مركزيّة السلطة المرفوضة بالنسبة للشعب في السويداء الذي يطالب باللامركزيّة في الإدارة ويرفض تكرار نظام البطش والإجرام الذي جثم على صدور السوريّين لسنوات طويلة في حقبة النظام السابق بينما تكرار محاولات إعادة عجلة الزمن إلى الوراء ودفع تعمّق الشعور لدى أبناء السويداء بعدم الأمان، الشباب نحو الهجرة أو الانخراط في حمل السلاح. على الرغم من توثيق هذه الانتهاكات، يندر صدور مواقف دوليّة واضحة تدين الاعتقالات في مناطق الحكومة الانتقاليّة يُرجع البعض ذلك إلى الرغبة الغربيّة في دعم البدائل عن النظام، حتى لو كانت غير ديمقراطيّة في بعض الأحيان هذا الصمت شجّع بعض القوى المحليّة على مواصلة التضييق، وهي تدرك أنّ المجتمع الدوليّ ما زال يتعامل معها كـ”الخيار الوحيد”، بغض النظر عن ممارساتها.
وعلى الضفة الأخرى ورغم إن الحكومة الانتقاليّة التي دخلت المناطق الساحليّة تعهدت بتحقيق “العدالة للجميع” بدأت سريعاً في تكرار أخطاء النظام السابق، لكن بغطاءٍ مختلف حتى وصل الحال بالحكومة الانتقاليّة أنّها لم تتمكن من فتح أيّ تحقيق حقيقيّ في جرائم التصفية التي طالت المجتمع العلويّ الرافض لتحويل الساحل إلى “ميدان حرب بديلة” ولم يُحاسب أحد من المتورطين في هذه المجازر وحتى لم يكشف عنهم.
ففي خضم هذه الفوضى، تعاني المجتمعات المحليّة من انهيار في الثقة، ليس فقط بالحكومة الانتقاليّة، بل بفكرة التغيير نفسها فالذين فقدوا أبناءهم بعد سقوط النظام، لا يرون فارقاً حقيقيّاً بين ما كان، وما هو قائم اليوم لأنّه في كلا الحالتين من يحكم هو الظلم والاستبداد والإقصاء والعنف وغياب الأمن والأمان.
الإرهاب يطلُّ برأسه من جديد
على المقلب الآخر ظهرت عناصر متطرفة وفي هياكل حساسة من السلطة الحالية وهو ما اعتبر طوقَ نجاةٍ لمرتزقة “داعش” الإرهابيّ ليعيدَ تنظيم نفسه عبر خلاياه النائمة ففي مناطق مثل البادية السوريّة، وأجزاء من ريف دير الزور، وعادت الهجمات الداعشيّة لتضرب الأمن والاستقرار وسط تقارير أمنيّة محليّة ودوليّة تؤكد أنّ مرتزقة داعش لم ينهاروا تماماً ويعملون على إعادة تنظيم صفوفهم لتنفيذ عملياتٍ إرهابيّة واسعة النطاق، بعد أن تكيّفوا مع المعطياتِ الراهنة وتغذّوا على عاملِ الخلافاتِ بين القوى المسيطرة، واستفادوا من تجاهل المجتمع الدوليّ لمخاطر استمرار الفوضى.
ومؤخراً طفا على السطح التفجير الإرهابيّ الذي طال كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بريف دمشق والذي تبناه مجموعة تطلق على نفسها اسم “أنصار السنة” حيث يعتب فصيلاً جديداً في سوريا وكان قد تعهد في الفترةِ الأخيرة بملاحقة أبناء الشعوب العلويّة والشيعة والدروز وأعلن مسؤوليته عن العديد من عمليات القتل، كما هدد بملاحقة من يُطلق عليهم اسم “فلول الأسد”، لكنها أيضاً لم تُخفِ ازدراءها لحكومةِ الرئيس الانتقاليّ أحمد الشرع، وإن لم تدعُ لمواجهته صراحةً.
وهذه المجموعة أعلنت عن ظهورها في أواخر كانون الثاني الماضي وبعثت برسائل تهديدات للعلويين بغضّ النظر عن جنسهم وأعمارهم، إلا أنّها خفّفت من حِدّة هذه التهديدات لاحقاً. ومع ذلك، فإنّ خطابها عموماً شديدُ العنف، قريب إلى حدٍّ كبيرٍ من خطابِ مرتزقة داعش الإرهابيّ ما يرجح الاحتمال بقوةٍ على أنّهم هم أنفسهم بقايا مرتزقة “داعش”، وقد انضمَّ إليهم من يرون في تغيير سلوك ونهج الحكومة الانتقاليّة أمراً غير مرحب به، وليبرز للوجود تشكيل خطير من المتطرفين وبقايا داعش وبقايا هيئة تحرير الشام يمارس أفعال مرتزقة “داعش” بوجهٍ آخر وكان في مجازر الساحل خير دليل على ذلك.
سيما وأنّ تفجير كنيسة مار إلياس أيضاً كشف للعيان هشاشة الوضع الأمنيّ ومدى قدرة هذه المجموعات الإرهابيّة على تنفيذ عملياتها رغم ادعاء الحكومة بأنّها مسيطرة لتصدر الحكومة الانتقاليّة بياناً تقليدياً، يُدين ويعدّ ويُهدد لكن أهالي الضحايا لم يُخدعوا هذه المرة فهم يدركون أنّ ما يجري في سوريا ليس مجرد “ثغرات”، بل هو نتاجُ منظومةٍ أمنيّة مهترئة، غارقة في الولاءات، مهووسةٍ بالبقاء، لا بحماية الناس وتتغلغل فيها الشخصيات الإرهابيّة وتسيطر على مفاصل القرار أيضاً.
فمأساة السوريّين لا تقتصر على فقدان الأرواح، بل في فقدان الشعور بالأمان، وانهيار الثقة بين المواطن والسلطة فحين تُفجّر كنيسة في وضح النهار، في عاصمة محاطة بأكثر من عشرة أجهزة أمنيّة، لا يعود السؤال عن الأمن، بل عن معنى الدولة فتفجير كنيسة مار إلياس ليس حدثاً معزولاً، بل جرس إنذار متأخر لسلطة غارقةٍ في خطاب التسويف والوعود، ولكنها عاجزة عن الفعل.
فمجازر الساحل ضد العلويين والعمليات الإرهابيّة ضد المسيحيين والهواجس الحقيقية والممارسات العنصريّة ضد الدروز والمخاوف الأمنيّة عند الكرد وتفاقم المخاوف المستقبليّة عند السنة المعتدلين كلّ ذلك يؤكد أنّ سوريا اليوم لا تحتاج إلى بيانات استنكار، بل إلى إعادة بناء حقيقي لمنظومتها، على أسس وطنيّة، لا طائفيّة أو فصائليّة.
ليتبين بعد كل ذلك إن الحكومة الانتقاليّة تعيش تحت قشرة هشة من الأمن المصطنع فالجهات الأمنيّة مشغولة باعتقال النشطاء، وملاحقة المعارضين، والتجسس على شبكات التواصل، بينما المجموعات المتطرفة تتسلل وتفجّر، وتغادر دون أن تترك أثراً بل إنها تتبنى وضح النهار ولا تخشى شيئاً.
ويرى مراقبون أنّ السببَ وراء تدهور الأوضاع الراهنة خصوصاً بعد سقوط النظام السابق هو الانتشار الكثيف للسلاح الفرديّ والجماعيّ، ما خلق بيئةً مهيأةً لأعمال العنف وبخاصة مع ارتفاع منسوب الاحتقان، وكلّ حادث شخصيّ قد يتحول إلى مواجهة مسلحة، وأيّ خلافٍ طائفيّ قد يؤدي إلى سقوط ضحايا ولم تعد الدولة المرجع في حلّ الخلافات، بل باتت البنادق هي المرجعيّة التي تفصل بين الناس، ومَن يملك السلاح يملك القوة والسلطة، ولو إلى حين. وفي الحيز الذي يتواجد فيه، ولكن بأيّ حال من الأحوال تتحمل الحكومة الانتقاليّة المسؤوليّة عن هذا الواقع لأنّها هي التي تدير المؤسسات ومنذ اعتلائها أجرت التعيينات وقدّمت نفسها على أنّها البديل الفعليّ لنظام القمع والإجرام السابق.
فسوريا ما بعد الأسد لم تعرف السلام، ليس لأنّها فقط خارجة من حربٍ طويلةٍ، بل لأنّها لم تدخل بصورٍ فعليّة مرحلةَ بناء دولة حقيقيّة، ولا يمكن لمجموعات مسلحة أن تحلَّ محل الدولةَ فالأمن لن يستتب إلا بوجودِ سلطةٍ كاملة الشرعيّة، منتخبة، وتحكم بدستورٍ متوافق حوله ويضمن العدالة، وتملك جهازاً أمنيّاً موحداً، ويخضع للمساءلة، وحتى ذلك الحين، ستبقى سوريا مقطّعة الأوصال، غارقة في الفوضى، يتقاسمها أمراء الحرب، ويتلاشى فيها الأمل بالحماية، والعدالة، والاستقرار.
لذا؛ فإنّ بناء سوريا جديدة لا يمكن أن يكون على حسابِ حريات المواطنين وكرامتهم، وما لم تُضبط الأجهزة الأمنيّة بقانون واضح، وتُحاسب الجهات التي تمارس الانتهاكات، وتُضمن استقلاليّة القضاء، فإنّ الثورة ستفقدُ روحها، وسيُعاد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة، “فالحرية لا تأتي بالشعارات، بل بالمؤسسات التي تحمي الإنسان لا تقمعه”.