روناهي/ الرقة – في مشهدٍ يفيض بالعزة والكرامة، وتحت شعار يحمل في طياته جوهر النضال النسوي: “المبدأ الأساسي للاشتراكية هو حرية المرأة ـ القائد آبو”، أحيت قوى الأمن الداخلي للمرأة في شمال وشرق سوريا الذكرى السنوية الحادية عشرة لتأسيسها، في احتفالٍ رسمي وشعبي مُهيب، حضره ممثلون عن الإدارة الذاتية، ومجالس المرأة، وهيئات المجتمع المدني، والناشطات والمناضلات.
في ساحة مبنى القيادة العامة للمرأة، حيث تتقاطع الذاكرة الثورية مع الحاضر النضالي، اصطفت النساء بالزي العسكري الأخضر، وعيونهن تلمع بعزم لا يلين، بدأت المراسم بعرض عسكري مهيب، جسد الانضباط والهيبة التي باتت تتمتع بها هذه القوة، التي لم تعد مجرد تشكيل أمني، بل رمزاً لتحرر المرأة ومشاركتها الفاعلة في بناء مجتمع ديمقراطي تعددي.
الشهيدة زيلان حاضرة في الذاكرة
ألقت كلستان كلو، باسم منسقية مؤتمر ستار، كلمة مؤثرة في الاحتفال استحضرت فيها روح الشهيدة زيلان، التي قامت بعملية فدائية في سبيل حرية المرأة، وقالت: “زيلان لم تكن فقط مقاتلة، بل كانت فلسفة تمشي على الأرض، اختارت أن تكون شرارة النور في ليل طويل، فأنارت لنا درب الحرية”.
وأكدت: إن “فكر القائد عبد الله أوجلان هو البوصلة التي تهتدي بها النساء في شمال وشرق سوريا”، مشيرةً إلى إن “حرية المرأة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية، تبدأ من الذات وتنتهي بتحرير المجتمع بأسره”.
ومنذ تأسيسها، شكلت قوى الأمن الداخلي للمرأة، تحولاً جذرياً في مفهوم الأمن، لم تعد المرأة تريد من يحميها، بل أصبحت هي الحامية، الساهرة على أمن المجتمع، في كل قسم ومكتب، من مكافحة الجريمة إلى تنظيم السير، ومن أمن المعابر إلى البروتوكول، أثبتت النساء أنهن قادرات على حمل السلاح والفكر معاً، وأن الأمن لا يبنى بالقوة فقط، بل بالوعي والانتماء.
عرض عسكري وفاءٌ للشهداء
والعرض العسكري الذي قدمته النساء كان لوحة فنية من الانضباط والكرامة، خطواتهن كانت كأنها تدق على الأرض لتقول: “نحن هنا، نحمي ونبني”، حملن السلاح لا كأداة قمع، بل كرمز لتحررهن من الخوف والتبعية، كل حركة، كل نظرة، كانت تحمل رسالة: “المرأة الحرة قادرة على حماية مجتمعها”.
في لحظة صمت مهيبة، وقف الحضور إجلالاً لأرواح الشهيدات، وعلى رأسهن الشهيدات زيلان، وهفرين خلف، وساكينة جانسيز، وغيرهن، من اللواتي كتبن بدمائهن تاريخاً جديداً للمرأة في الشرق الأوسط، حيث عُلقت صورهن على جدران المبنى، كأنهن يراقبن من عليائهن هذا الإنجاز الذي كنَّ جزءاً من صناعته.
واختتم الحفل، بوصلة من الدبكة الكردية، شاركت فيها النساء من مختلف الأعمار، بأزياء تراثية زاهية، وابتسامات تعانق السماء، كانت الدبكة هنا ليست مجرد رقصة، بل إعلاناً عن الحياة، عن الفرح الذي لا يقهر رغم كل التحديات، كانت الأقدام التي تدبك على الأرض تقول: “نحن باقون، نحن نحتفل، لأننا انتصرنا”.