منان خلباش (عضو منتدى حلب الثقافي)
البداية المتعثرة
بعد اختيار الشيخ سعيد بيراني قائداً للثورة الكردية في مؤتمر حلب في السابع من تشرين الثاني ١٩٢٤، بات الشيخ سعيد بيراني يدرك المسؤوليات التاريخية التي أُلقيت على عاتقه، والتي ينبغي أن يؤديها بكل أمانة وإخلاص، حتى التفاني وإلى آخر رمق في حياته.
ومن قبيل الصدفة، وأثناء جولاته، كان وصول الشيخ سعيد بيراني من “داراهين” إلى بيران مع مائة مقاتل، وذلك في ١٣ شباط ١٩٢٥، وقد تزامن ذلك مع وصول مفرزة تركية بقيادة الملازم أول حسني أفندي لاعتقال عدد من الكرد، ولما تمنع الشيخ سعيد عن تسليمهم، حصل اشتباك مع المفرزة التركية، وعلى إثره قُتل بعض الجنود الأتراك وجُرح وأُسر البعض الآخر، وهكذا انتشر الخبر على نطاق واسع، وظن البعض أنها بداية الثورة، وبدأ الهجوم على مدينة كنج والسيطرة عليها، وكذلك على مساحات واسعة من الأناضول، كما تمّت السيطرة على داراهين في ١٤ شباط، مع أسر الوالي وبعض المسؤولين الكبار، وبعدها تم الاستيلاء على مناطق مادن وسويرك، وخاني، ووارتو، وموش وسلوان، وبعد ذلك تقهقر الجيش التركي إلى أن تمت السيطرة على آل عزيز؛ ما أحدث قلقاً كبيراً لدى الحكومة التركية، وفي ٢٧ شباط تم إعلان الحكم العسكري للمدن الشرقية من تركيا، وفُرض الحصار من الثوار على آمد (ديار بكر) في الثاني من آذار ١٩٢٥، وتراجع في البداية الجيش التركي بعد أن بلغ عدد الثوار نحو ٦٠٠ ألف، بمشاركة نحو ١٠٠ ألف أرمني وشركسي. ولكن، بعد أن وصلت إمدادات واسعة للجيش التركي، واستخدام الطائرات والمدافع بالخط الحديدي الذي يربط إسطنبول بحلب وماردين وبغداد والبصرة، طلب مصطفى كمال أتاتورك من رئيس الوزراء فتحي أوكيار الاستقالة، وعين عصمت باشا إينونو في الثالث من آذار ١٩٢٥، وفي الرابع من آذار ١٩٢٥، صدر قرار بالأغلبية البرلمانية بإعلان الأحكام العرفية تحت عنوان “قانون الاستثناء – تقرير السكون”، وفي اليوم التالي بات القرار نافذاً في سائر البلاد.
في السابع من آذار ١٩٢٥، دارت معارك طاحنة حول آمد (ديار بكر)، التي كانت محاصرة من الثوار، وبعد أن مُني الجيش التركي بخسائر جسيمة، تراجع إلى الخلف، وسرعان ما جاءت الإمدادات والعتاد والجنود مجدداً عبر الخط الحديدي ومن الإنكليز وسواهم لأهداف خاصة، وبعد أن تم كسب بعض رؤساء العشائر الخائنة، تلقت القوات الكردية ضربات قوية، فأمر الشيخ سعيد بيراني باللجوء إلى الشمال الشرقي ، وفي ١٦ من آذار بدأ الهجوم التركي براً وجواً، وبانضمام بعض العناصر العشائرية الخائنة إلى الجيش التركي، وكانت وشاية من الملازم قاسم قد أدت إلى اعتقال خالد جبري ويوسف زيا مع خمسة من رفاقه في أرضروم، وفي الرابع من نيسان تم إعدامهم في بدليس، في ساحة الجامع الكبير، باتت المبادرة بيد الجيش التركي، وباتت تحركات الشيخ سعيد مكشوفة له، وفي ٢٧ من نيسان ١٩٢٥ تم نصب كمين للشيخ سعيد ورفاقه، الذين بلغ عددهم نحو ٥٦ رجلاً، على جسر “جار بهار Çar Buhar”، على نهر الفرات، بالقرب من فارتو الواقعة في ولاية موش، وتم اعتقالهم، وبعدها جُلبوا إلى آمد (ديار بكر)، وبعد محاكمة لم تدم طويلاً، صدر الحكم بالإعدام شنقاً على الشيخ سعيد بيراني و٤٨ من رفاقه في ٢٩ حزيران ١٩٢٥، وقبل إعدامه في يوم ٣٠ حزيران ١٩٢٥، قال الشيخ سعيد بيراني قولاً لم ينسه أحد من الكرد إلى اليوم، وربما لن ينساه أحد من الأجيال القادمة، عندما قال وهو بالقرب من المشنقة: “إذا مت، سيكون كل كردي سعيداً، لأنهم سوف يخلصون كردستان من عيون الأعداء، الآن، الحياة الطبيعية تقترب من نهايتها، ولا أسف قط عندما أُضحي بنفسي في سبيل شعبي. إننا مسرورون، لأن أحفادنا سوف لن يخجلوا أمام الأعداء، ولن ينحنوا برؤوسهم”.
وبعد عملية الإعدام للشيخ سعيد بيراني ورفاقه، كتبت صحيفة “الوقت” التركية قائلة: “ليست هناك مسألة كردية حين تظهر الحراب التركية”.
وكانت نتائج المعارك إزالة نحو ٢١٠ قرى، وحرق نحو ٨٧٥٨ منزلاً، وسقوط نحو ١٥ ألف قتيل، وسلب ونهب كل ما طالته أيدي الجنود الأتراك، بالإضافة إلى تهجير مئات الألوف من السكان إلى الأطراف البعيدة، وحتى إيران والعراق وسوريا.
طبيعة الثورة
لقد رافقت الثورة التي قام بها الشيخ سعيد بيراني جملة من الأسئلة وجدلاً واسعاً حول طبيعة ثورة الشيخ سعيد بيراني 1925، وفي الحقيقة، يمكن الملاحظة بأن النظام التركي الكمالي، تعامل وتعاطى مع الأوضاع التي نشأت إثر ثورة الشيخ سعيد بيراني بكثير من الذعر والحذر، وتجلى ذلك في سببين رئيسيين وهما:
1-تمدد الثورة وعدم اقتصارها على مدينة أو منطقة محددة كما كان يحصل في الانتفاضات الكردية السابقة، ويرجع ذلك إلى التأثير الواسع للشيخ سعيد بيراني وعلاقاته الواسعة مع العشائر الكردية المختلفة والأرمن والآشوريين وسواهم، بالإضافة إلى مواقفه الإيجابية تجاه المسيحيين المتواجدين في تركيا وقبلها في السلطنة العثمانية، وخاصة في الأعوام التي حصلت فيها المذابح الأرمنية.
2-الحذر من الدعم والمساندة للثورة الكردية من الأطراف الإنكليزية والفرنسية والروسية.
ولذلك، استثمر النظام الكمالي في تركيا على تأكيد السردية التركية في تعريف وطبيعة الثورة الكردية، وكانت المحكمة التي سميت بمحاكم الاستقلال، قد اعتمدت على الأقوال والإجابات المزيفة التي تم كتابتها من “محكمة الاستقلال” رغم إنكار الشيخ سعيد بيراني مراراً وفي جلسات المحاكمة لتلك الأقوال والإجابات، ومن دون وجود محامين يمثلون محاكمة الشيخ سعيد بيراني. وإلى الآن، تحتفظ المحاكم التركية وبسرية تامة لتلك المرافعات الكاذبة والمزيفة التي دونت من دون إرادة الشيخ سعيد بيراني ويمنع من الاطلاع عليها، ورغم ذلك، كان رئيس المحكمة آنذاك يقول للشيخ سعيد بيراني: “كلكم متفقون حول الهدف من إقامة كردستان مستقلة”، وبالتوازي مع المحاكمة التي دامت نحو عشرين يوماً، كانت صحيفة الزمان الرسمية التركية تنشر على لسان الشيخ سعيد مطولاً أحاديث مغلوطة تسيء إلى “الشيخ الثوري” وتلصق به أحاديث عن الخلافة والشريعة وأن أعماله هي لوجه الله وما سوى ذلك.
وكانت صحيفة “الوقت” و”إكس مجموعسي” أيضاً تشاركان مع “الزمان” ما يتم تلفيقه على لسان الشيخ بيراني، بل وتظهر الأحقاد والعداء والكراهية إلى أبعد الحدود.
ولقد تم تلخيص تلك المرافعات والإجابات التي تم تدوينها لخدمة السياسة التركية وفرض طابع ديني مختلف على الثورة الكردية واعتبارها ثورة “دينية رجعية” تهدف إلى إقامة الخلافة الإسلامية، بينما كان النظام الكمالي في تركيا يقوم بتقريب تركيا من أوروبا والاتجاه بها نحو التحديث والتغريب وما إلى ذلك.
وفي الوقت ذاته، كانت الحكومة التركية آنذاك تُعرف تلك الثورة للداخل التركي بأنها ذات أهداف انفصالية وترمي إلى تقسيم تركيا.
هذا التوظيف الدعائي، عمل على نيل الدعم والمساندة من الإنكليز الذين زودوا تركيا بأحدث المدافع، وكذلك الفرنسيون الذين كانت دولتهم منتدبة في سوريا، فقد سمحت بعبور نحو 25 ألف جندي تركي عبر خط الشرق السريع الذي يربط إسطنبول – حلب – ماردين – البصرة، بعد أن طلبت تركيا من الفرنسيين السماح لهم بنقل الجنود الأتراك مع كل عتادهم وسلاحهم يومياً، عبر أربع دفعات.
وكانت روسيا أيضاً قد اعتبرت الحكومة الكمالية في تركيا ذات “توجهات تقدمية”، وبذلك بقيت على الحياد ولم تحاول التأثير في مسار الأحداث الجارية في تركيا.
ولكل ما تم ذكره، بقيت الثورة الكردية التي قامت عام 1925، بعد أن تم تشويه طبيعتها وجوهرها، دون دعم خارجي – رغم اتهام “الثورة” بتلقي دعم إنكليزي تارة وفرنسي تارة أخرى -حتى باتت في النهاية قدرها تحت رحمة الطورانية التركية.
ولكن كانت السردية الكردية مختلفة وبعكس السردية التركية، وكانت الدلائل والوقائع على الأرض تشيران إلى أن الثورة الكردية التي قادها الشيخ سعيد بيراني جاءت في مواجهة سياسات الإنكار والتتريك والتعصب القومي التركي، ومحاولات التملص من الاتفاقيات الدولية التي نصت على منح الكرد حق تقرير المصير، وخاصة مطالب الوفد الكردي برئاسة شريف باشا، والوفد الأرمني برئاسة بوغوص نوبار باشا إلى باريس وسواها، ويمكن لأي كان أن يلاحظ بأن مجرد إلقاء نظرة صائبة للثورة الكردية التي لم تكن تنطلق من المساجد ولا الجوامع، بل انطلقت من قرارات سياسية وبمشاركة واسعة من الأرمن والمسيحيين وغيرهم، كما جاء في مقالة نشرت في صحيفة “روناهي” 2024 من قبل حفيد الشيخ سعيد بيراني “عبدالوهاب بيراني”.
وكان المستشار لدى الشيخ سعيد بيراني قد أفاد في عام 1979 وفي أحاديث له: “كان الشيخ سعيد يقول دائماً: الآن أصبح تأسيس كردستان واجباً، يجب أن نطرد الأتراك من أرضنا ويجب أن نصبح أصحابها”، هذه الأقوال والأحاديث إنما تشير إلى أن ثورة الشيخ سعيد بيراني كانت ثورة شعبية وتحررية وطنية تهدف إلى تحرير كردستان من السيطرة التركية.
وفي الختام؛ يبقى القول، إن الشيخ سعيد بيراني، رغم نشأته الدينية واطلاعه الواسع وإتقانه للغات مختلفة ومتابعته للصحف باللغات الكردية والأرمنية والعربية والتركية وامتلاكه القيم والمبادئ الإنسانية، أصبح رمزاً للنضال والكفاح الوطني والقومي عند الشعب الكردي، وأيضاً لدى الشعوب المتجاورة كالأرمن والشركس والآشوريين وسواهم، ويكفي أنه قاد أول ثورة كردية منظمة ضد السياسات التركية التي تنكرت لكل الحقوق القومية والإنسانية التي نصت عليها المبادئ والقوانين الدولية ، وقدم حياته وروحه ورقبته فداءً لشعبه ووطنه، لتبقى القضية الكردية وتنتصر في النهاية بتحقيق الهدف الأسمى، وهو تحرير شعبه ووطنه من براثن الظالمين والطامعين وكل أعداء الإنسانية.