No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
مع احتدام الأزمات الناجمة عن التدخلات ومساعي السيطرة على مصائر ومُقدرات شعوب الشرق الأوسط، تبرز الأفكار المتضمنة في “الأمة الديمقراطية” في مقدمة الأطروحات الرامية لمعالجة الخلل الاقتصادي الذي تعاني منه شعوب المنطقة، الأمر الذي يفرض على القاصي والداني من أبناء الشرق الأوسط الغوص في عمق هذه الأطروحات لاقتفاء آثاراها وتبين مدى ملائمتها لمعالجة قضاياه الحياتية بدلاً من مصادرتها، الأمر الذي يفرض استعراضاً موضوعياً للخطوط العريضة للرؤية التي يقدمها المفكر عبد الله أوجلان بشأن القضايا والإشكالات الاقتصادية.
إن مراجعة فاحصة بين سطور “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” كإطار تنظيري فلسفي جامع لـ”الأمة الديمقراطية” تكشف عن كيف أنها قد تجاوز أُطر التحليل الماركسي رغم التأثر الواضح بها في المنطلقات التي قامت عليها ركائز الفكر الأوجلاني بدايةً، إذ لم تكن المعطيات التي تقدمها التفسيرات المعنية برأس المال، والتي عرض من خلالها كارل ماركس الرأسمالية باعتبارها نظاماً تاريخياً محتوماً، بما يعني انصهار الماركسية في بوتقةِ الحداثةِ في نهاية المطاف، وللتأكيد على ذلك يستدل “صاحب الأمة الديمقراطية” بحالتي الاتحاد السوفيتي – سابقاً – والصين التي حفظت لها خصوصيتها وطبائعها الفريدة إمكانية الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية في إطار من الخصوصية المحددة.
“التشاركية النموذج الاقتصادي الأنسب”
ورُغم النقد الصارم الذي واجهته الرأسمالية من الماركسية إلا أن الأخيرة قد وقعت في قلب المنهج النقدي الأوجلاني الذي تجاوز “الثورة الاشتراكية” نحو تأسيس نمطٍ ديمقراطيٍ. ففي حين رفعت الماركسية شعار “الثورةُ أولاً ثم الحياةُ الاشتراكية”، إلا أن القائد عبد الله أوجلان قد رأى في هذا المنحى عجزاً عن تَخَطّي ذهنيةَ الحداثةَ الرأسمالية وعالَمها العلميِّ وبُنى ثقافتِها المادية من خلال المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما عبر عنه القائد أوجلان بمفهوم “الاحتلال الاقتصادي” التي تمارسه الدولة القومية كأداة للرأسمالية تعيق ضمان حرية الإنسان في تملك أدوات إنتاجه وأنماط استهلاكه. وفي هذا الإطار، برزت أطروحة “الأمة الديمقراطية” كنموذجٍ يتجاوز حدود الدولة، ويقوم على المجتمع كوحدةٍ مركزيةٍ ووعاءٍ يقوم على الاعتماد المتبادل بين أفراد المجتمع بصرف النظر عن تنوعاتهم العرقية والعقائدية.
وفي إطار هذه “الأمةِ الديمقراطية” يتشكل الاقتصاد من خلال ما “شبه الاستقلال الذاتي” الذي يضمن من خلال الإنسان إعادة بسطِ المجتمعِ لسيطرتِه على الاقتصاد. وفي هذا النموذج يتحقق قدرٌ من الوفاقِ بين الدولةِ القوميةِ والأمةِ الديمقراطية. غير أن هذا الوفاق المذكور يمثل الحد الأدنى الذي لا يمكن النزول عنه وإلا يعد ذلك استسلاماً يدلل عليه القائد أوجلان بالعبارة “انتَهِ!”، حيث يميز بين الاقتصاد التشاركي في إطار “شبهِ الاستقلالِ الاقتصادي” ورأسماليةِ الدولةِ واقتصادِها؛ إذ يرى بأن التشاركية هي النموذج الاقتصادي الأنسب لطبيعةِ الإنسانِ والبيئة أيضاً، بل يعتبرها، أي التشاركية، نموذجاً وجوهراً للحياة الذاتية التي تدور في فَلَكِ المجتمع المتجانس، وهو المجتمع الذي يبدو مُباركاً في الأمة الديمقراطية بفضل تلك الروح التشاركية إذ يغيب عنه الكدح أو العمل الشاق الذي لا يُثْمِرَ الحرية. مع ملاحظة أن هذا الانتقال يتعين أن يبقى عند مستوى الـ “شبه” الاستقلالِ الاقتصاديِّ، وألا يصل إلى منزلة “الاستقلال”، وإلا نكون بصدد ” دولةٍ قوميةٍ” الأمر الذي يعني، وبشكلٍ مباشر، الاستسلام للحداثة الرأسمالية وهو “الفخ” الذي سقط فيه التحليل الماركسي.
فالرأسمالية في المنظور الأوجلاني لا تُشَكِّل الهيكل الكلي للاقتصاد، حيث يظل عدد من القطاعات تتجاوز حدود التاريخ الرأسمالي كالتجارة والزراعة والصناعة رغم تعرضها لسيطرة الممارسات الرأسمالية والعديد من الأزمات المتجذرة في بنية المجتمع في ظل الرأسمالية. وهو ما نجد تفسيره من خلال انتقال رأس المال المُتَكَدِّس من فائض الانتاج الزراعي، حيث أن الزراعة هي عماد الحضارة الأولى التي شهدتها البشرية، ثم انتقلت إلى عصر التجارة الذي يعد أطول عُمْراً من المدينة، فالمدنية التجارية قد احتلت المرتبة الثانية بعد الحضارة الزراعية، غير أنه مع الثورة الصناعية والتصنيع في القرن التاسع عشر، بات التصنيع حاجة أولية لرأس المال، وقد مَهَّدَ ذلك الوضع الطريق أمام ظهور الصراع الطبقي داخلياً والحروب التحررية الوطنية خارجياً.
الثورة الزراعية
وعلى هامش الحقبة الصناعية تولدت أزمات عديدة على رأسها مشاكل المدنية والبيئة حتى صارت ذات طابع بنيوي في القرن العشرين؛ أي عصر المال. ومن هنا جاءت الدعوة إلى ثورةٍ زراعيةٍ تستمد عُمْقها من خصائص مجتمعات الشرق الأوسط المعروفة بتنوعها البيئي والمناخي الذي أثراها تاريخياً بالثروة النباتية والثروة الحيوانية التي ترامت في المنطقة وخاصةً منطقة الهلال الخصيب حيث سلسلة جبال زاغروس وطوروس، وأنهار دجلة والفرات وبالإضافة لنهر النيل والتنوع من البيئات المطيرة والمعتدلة وغيرها، وهو ما لعب دوراً تاريخياً في الثراء الحضاري الذي عرفته المنطقة. ويعتبر القائد أوجلان هذه الثورة الزراعية مصيراً حتمياً للشرق الأوسط، ذلك أنه يعتبرها سبيلاً لِصَون المجتمع من أضرار الحداثة الرأسمالية أو ما يُسَمِّيه بالـ “الصناعوية”. وفي هذا يقول المفكر عبد الله أوجلان: “لو تحركت الشعوب عبر مؤتمراتها الممثلة لإراداتها بالشكل الأعم، وعبر مختلف أنواع المنظمات المعنية بالمجتمع المدني والتعاونيات، فستجد أنه ما من قضية معنية بالمجتمع إلا وستكسبها”.
وعليه، يخلص القائد أوجلان بأن ثمة حاجة ماسة إلى الاقتصادِ المَحليِّ وآلياتِه شبهِ المستقلة، بمعنى أن يكون هناك قانونٌ اقتصاديٌّ لا ينكر ظاهرةَ السوقِ الوطنية، ولكنه يضعُ ديناميّاتِ السوقِ المحليةِ أيضاً في الاعتبار. وهنا تنشأ الحاجة إلى قوانين اقتصادية تُعنى بشؤون ترتيبِ المُلكِيّة، والشركات، والري والاستفادة من الموارد المعنية في باطن الأرض، ونظم الأسواق، والنظم المصرفية، والضرائب، بما يضمن تحقيق التناغمِ بين القوانينِ الاقتصادَين الوطنيِّ والمحليّ. وللحديث بقية.
No Result
View All Result