محمد أوغوتجو (كاتب وصحفي)
ترجمة: باقي حمزة
في الأسابيع الأخيرة، بلغت التوترات ذروتها مع الهجمات الإسرائيلية المباشرة على إيران، والهجمات الإيرانية المضادة، والعمليات الأمريكية التي تستهدف المنشآت النووية، والاشتباكات التي أدت إلى مقتل قادة الحرس الثوري، وقد هز وقف إطلاق النار المفاجئ الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودعوته “للسلام”، والتي أُعلن عنها في الساعات الأولى من الصباح، أروقة طهران بقدر ما هزت الميدان.
لقد شهدت إيران العديد من الثورات والتدخلات الخارجية والحركات الشعبية الداخلية على مر تاريخها. ومع ذلك، فإن العملية التي تشهدها اليوم ليست مجرد أزمة؛ بل هي على الأرجح عتبة أعظم تحول داخلي وخارجي واجهته الجمهورية الإيرانية في السنوات الـ 46 الماضية منذ عام 1979.
الصراع على العرش في ظل وقف إطلاق النار
في البداية لا بد من فهم نوع وقف إطلاق النار والسلام هذا. إذ يبدو أن وقف إطلاق النار غير المتوقع قد سرّع عملية البحث عن قيادة في إيران. يبلغ آية الله علي خامنئي 86 عامًا، ويعاني من مشاكل صحية خطيرة، والخطر الأمني أعلى من أي وقت مضى، ووفقًا لتقرير خاص لوكالة رويترز، فإن لجنة الخلافة المكونة من ثلاثة أشخاص، والتي شكّلها خامنئي بنفسه قبل عامين، سرّعت عملية البحث.
وكنتيجة أولية برز اسمان:
ـ مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي ورمز الاستمرارية لأيدلوجية النظام المتشدد.
ـ حسن الخميني، حفيد مؤسس الثورة، آية الله الخميني، وهو شخصية يُقال إنها أكثر تصالحية وقريب من الأوساط الإصلاحية.
وبعد وقف إطلاق النار، فإن إمكانية تصميم إيران لعملية انتقال أكثر سلسة ومرنة داخلياً وخارجياً جعلت اسم حسن الخميني خياراً قوياً مرةً أخرى. لكن؛ هذا الصراع على القيادة لا يقتصر على كوادر النخبة، فالمجتمع الإيراني نفسه، وخاصةً الشباب والنساء، يتزايد استياؤهم من النظام الحالي. يرفض الجيل Z حياةً تُشكّلها الصور النمطية الأيديولوجية. تُدرك النساء أن كفاحهن ضد الحجاب الإلزامي أصبح رمزًا للتحول الاجتماعي. البطالة، والفساد، والقمع، والرقابة على الإنترنت، وضغط شرطة الآداب على النساء، والانهيار الاجتماعي، والنظام المُغلق… عندما تجتمع كل هذه العوامل، نجد اليوم في إيران تساؤلات ومقاومة ليس فقط تجاه الحكومة، بل أيضًا تجاه البنية الأساسية للنظام.
قد يُبرز مع إعلان وقف إطلاق النار ما سيبرز هذه التوترات ويظهرها للعلن بشكلٍ أوضح.
إذا تحولت دعوة ترامب لوقف إطلاق النار والسلام إلى عملية دائمة، فلن تقتصر على مجرد اتفاق لوقف الأعمال العدائية، ورغم إن هذا قد يبدو هدفًا بعيد المنال في الوقت الحالي، إلا أنه من الواضح أن وراء هذا السلام هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا: وهو إحداث تحول في النظام الإيراني.
عند تحديد القيادة الجديدة، لن يقتصر الأمر على مسألة “من يملك السلطة الدينية العليا”، بل سيشمل أيضًا أسئلة مثل “من يحظى بالشرعية في نظر الشعب”، و”مع من يمكن للغرب الجلوس على الطاولة”، و”تحت قيادة من يمكن لإيران أن تنفتح على العالم الخارجي” وستكون حاسمة.
في هذا السياق، قد تُصعّب جمود مجتبى خامنئي الأيديولوجي، وتشابك بنيته مع الحرس الثوري، وصورته في العالم الخارجي، ترشحه. من ناحية أخرى، قد يكون حسن الخميني أقرب إلى شخصية القائد المطلوبة في فترة ما بعد السلام، بفضل شهرته في نظر الشعب، وانفتاحه على الخارج، وموقفه الإصلاحي الذي يتميز بالدبلوماسية “نوعاً ما” بدلًا من الصراع.
تأثيرات الانتقال في القيادة والنظام على أنقرة
ستظل مطالب الشعب التركي في محافظة أذربيجان الإيرانية، وفتح ممر زانجيزور بين أرمينيا وأذربيجان، وإمدادات الطاقة، وأمن الحدود، قضايا حاسمة في علاقات تركيا مع إيران. ومع ذلك، لا بد من تحقيق توازن دقيق في هذا الصدد. وممارسة الحيادية والابتعاد عن التدخّل في شؤون إيران الداخلية.
هل إيران “الجديدة” ممكنة؟
إذا كان وقف إطلاق النار دائمًا، فلن يكون الزعيم في إيران هو نفسه كما كان من قبل، ولن يكون الشعب هو نفسه، ولن تكون الجغرافيا السياسية للمنطقة هي نفسها. سيُظهر الوقت ما إذا كانت فترة ما بعد خامنئي ستُشكل من خلال “تجديد” داخل النظام أو تغيير هيكلي أكثر جذرية.
لكن المؤكد هو: قد لا يكون السلام نهاية الحرب في إيران فحسب، بل نهاية حقبة أيضًاً. والشخص الذي سيحدد الوجه الجديد لهذه الحقبة سيكون إما إصلاحيًا يتطور من داخل النظام، أو محافظًا يتمسك بردود الفعل القديمة من أجل قمع توقعات الشعب أكثر.
نحن، مثل بقية العالم، ننتظر ما بعد إعلان وقف إطلاق النار، الذي لا نعرف مدى صحته وديمومته، لكن يجب ألا نكتفي بالمشاهدة، بل يجب أن نكون مستعدين كـ “تركيا” والكثيرين في هذه اللحظة الحاسمة من التاريخ.