رفيق إبراهيم
عقد في بروكسل في السابع والعشرين من حزيران 2025، الجلسة الأولى لكونفرانس، “الذكرى المئوية لانتفاضة عام 1925، جمعية الحرية “آزادي” الشيخ سعيد وأصدقاؤه الذاكرة والمعارضة الجماعية”، وستستمر الجلسات لعدة أيام، الكونفرانس، يقيمه المؤتمر القومي الكردستاني، والمعهد الكردي في بلجيكا.
ووجه القائد عبد الله أوجلان، رسالة إلى الكونفرانس جاء فيها: “إلى مؤتمر الذكرى المئوية لانتفاضة عام 1925، جمعية الحرية (آزادي)، الشيخ سعيد وأصدقاؤه، الذاكرة والمعارضة الجماعية”، إنّ الحقيقة التاريخية التي نتحدث عنها في شخص الشيخ سعيد تتجاوز مجرد انتفاضة محلية، فهذه الحقيقة هي نضال عريق من أجل البقاء ترك آثاراً عميقة في الذاكرة الجمعية للشعب الكردي، هذا النضال هو ثورة المجتمع الكردي الذي نشأ بإيمان وقناعة وإرادة ضدّ العقلية الأحادية المفروضة.”
وأوضحت الرسالة: “تحمّل الشيخ سعيد المسؤولية الاجتماعية كقائد في عصره، واتّخذ موقفاً حازماً ضدّ سياسات الإنكار التي استهدفت إرادة الكرد، وهذه الثورة المتجسّدة في شخصه، ليست مجرد رد فعل سياسي، بل هو رد فعل اجتماعي أيضاً، ورد الفعل هذا تعبيرٌ تاريخي عن ولاء الكرد لحقيقتهم”.
ومما عنته الرسالة: إنّ “سياسة المركزية والهوية الواحدة التي طُبّقت في السنوات الأولى للجمهورية، استهدفت إبعاد الشعب الكردي عن كيانه، ويقول الشيخ سعيد: “أردنا العدالة، فحكمتم علينا بالإعدام”، هذا التصريح هو أوضح وأقوى دليل على أنّ الحق لن يتراجع أمام الظلم، كما أنّ تصريحاته ومن بينها، “سيدي المدعي فلنذهب لأكل اللحم معاً”، وهذا تعبيرٌ عن المؤامرة التي واجهها، فيما يعبّر قوله، “سينتقم لي أحفادي بالتأكيد”، عن أمل المقاومة الذي تركه للأجيال القادمة”.
وأشارت الرسالة: “هناك نقطة أخرى يجب التأكيد عليها هنا، كأي مقاومة تاريخية، تحمل انتفاضة الشيخ سعيد أيضاً في طياتها ظروف عصرها، ولا يُمكن ربط تلك الانتفاضة بنضال الحرية بشكل شاعري، بل باستخلاص دروسه الأساسية وإعادة بناء استمراريته التاريخية على نهج حر وديمقراطي”.
وأكدت الرسالة: “اتخذت هذا التقليد أساساً للتحول الثوري للحرية الكردية، ويهدف النضال الذي أخوضه إلى الجمع بين إرث المقاومة القيّم في الماضي، والنظام الديمقراطي التعددي، والسلام الاجتماعي في المستقبل، إذ سيبلغ نهج الشيخ سعيد معناه الحقيقي عندما يقترن بنموذج الأمة الديمقراطية اليوم”.
وأوضح: إنّ “الكردايتية الحرة ممكنة بالوفاء لتاريخ الشعب، وثقافته، وقيمه الأخلاقية، والسياسية، على شعبنا أن يكون حذراً في هذا الأمر، وأن يصون الإرث المقدس الذي تركه قادته التاريخيون”.
واختتم، القائد عبد الله أوجلان، رسالته: “على أساس كل ما سبق، أستذكر الشيخ سعيد ورفاقه بإجلال، وأؤكد مجدداً على عزمي التمسك بقيم النضال على طريق الحرية، والحقيقة، وأحيي جميع المشاركين على أمل نجاح المؤتمر”.
بموتنا يحيا شعبنا
اليوم وفي الذكرى المائة على إعدام الشيخ سعيد ورفاقه الأحرار، الذي تم في ٢٩ حزيران من عام ١٩٢٥، بمدينة آمد عاصمة كردستان الكبرى، حيث تم إعدام الشيخ الشهيد سعيد بيران، و46 من رفاقه، الذين شاركوه في الانتفاضة، بهدف كسر إرادة الشعب الكردي، وإجهاض ثورته، على أساس إنهاء القضية الكردية، بقمع الثورة، وإعدام قادتها.
الدولة التركية لم تكن تتوقع أن تحقق الانتفاضة تلك الإنجازات التي حدثت، وخاصة أن الشيخ سعيد نظم الصفوف والحشود، التي حققت الكثير مما كان يصبو إليه، وعندما أدرك الطغاة الأتراك، أن الانتفاضة ستنجح لجؤوا، إلى الأساليب الملتوية، عن طريق عدد من الخونة، إمالة الكفة لصالح الطورانية التركية، ما أدى لفشل انتفاضة 1925، لتنتهي بنهاية مأساوية، وتنفيذ حكم الإعدام بالشيخ سعيد ورفاقه.
ومن أقوال الشيخ سعيد، قبل تنفيذ حكم الإعدام به وبرفاق دربه: “إذا ما قمتم بإعدامنا وقتلنا الآن، عليكم أن تعرفوا جيداً، ليس باستطاعتكم إعدام شعب بكامله، وتسدوا الطريق أمام قضيته، وأن دماءنا سوف تزين علم الحرية، عاش أبطال الكرد، عاش الكرد وعاشت كردستان، المجد لشهداء الحرية في كل مكان”.
وعند توجهه إلى ساحة الإعدام، خطب برفاقه مودعاً: “أيها الأخوة يجب أن تعلموا بأنكم عظماء أمام شعبكم اليوم، والله، بموتنا لن يموت شعبنا، بل سوف يصل إلى الحياة الحرة والمستقلة، ما دام يوجد بينه رجال شجعان أمثالكم، كما أن مصدر قوتنا وأملنا هو أنتم من بعدنا، وأنتم ورثة هذه المرحلة، ونحن لسنا نادمين بأن نضحي بأرواحنا، فداءً لكم وللوطن، ثقوا أنتم محظوظون وكل طلبنا وأملنا أن تكونوا راضين عنا”.
المؤامرة الدولية وإفشالها
كما تم القضاء على انتفاضة الشيخ سعيد، حاولت الدول الرأسمالية، عن طريق استخباراتها، وبعد خطف القائد عبد الله أوجلان، من كينيا، وتسليمه للسلطات التركية، في 15 شباط 1999، اعتبرت تركيا أن هذا الحدث من أهم الأحداث في تاريخها المعاصر، واعتبرت أن أسر القائد عبد الله أوجلان، نهاية للقضية الكردية في تركيا، وتصفية الثورة الكردستانية، وأصدرت حكم الإعدام بحقه، بتاريخ ٢٩ حزيران ١٩٩٩، وهذا التاريخ لم يأتِ صدفة، بل أرادت تركيا ترسيخه في أذهان الكرد، بأن التاريخ يعيد نفسه، وأن مصير القادة الكرد، هو الإعدام، ومن ثم إبادة الشعب الكردي.
ولكن لم تنجح تركيا في تحقيق هدفها، لأن حركة التحرر الكردستانية، كان لها رأي آخر، وجاء الرد على المؤامرة الدولية، باتخاذ فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، أساساً، لتصعيد النضال وزيادة المقاومة، والالتفاف الكردي في مناطق العالم حوله، ما ساهم في الرد على المؤامرة، وإفشالها.
وعندما صمد القائد عبد الله أوجلان، وقاوم شتى أنواع الانتهاكات التي حدثت، وتحدث حتى الآن بحقه، ما جعل زنزانة إمرالي منبعاً للفكر الحر، ومرجعاً لحل القضية الكردية، التي تجاوزت حدود الدول الغاصبة لكردستان، لتكون قضية الشعب الكردي، وقائده، على طاولة المجتمع الدولي، حيث يتم مناقشتها كقضية عالمية من الواجب حلها.
ولم يأتِ الاهتمام العالمي بحل القضية الكردية من فراغ، ولكن جاء نتيجة للنضال الدؤوب لحركة التحرر الكردستانية، وقيادة القائد عبد الله أوجلان لها، بالتالي فالقضية الكردية باتت قضية عالمية، لها تأثير كبير على الشرق الأوسط والعالم أجمع، وما لم يتم حلها ستبقى الأوضاع في المنطقة والشرق الأوسط، غير مستقرة وآمنة، وخاصة أن الشعب الكردي، جذوره متأصلة في المنطقة منذ قدم التاريخ، وعلى سالبي إرادة الشعب الكردي، أن يفهموا هذه الحقيقة، التي لا يمكن غض الطرف عنها.
أعداء الشعب الكردي ومحتلو كردستان، مهما حاولوا النيل من إرادة الشعب الكردي الحر، ستبوء جميع محاولاتهم بالفشل، لأن الشعب الكردي قرر السير على طريق الشيخ سعيد، وحفيده القائد عبد الله أوجلان، وتأكد بأنه لا بديل عن النضال في سبيل الحرية، والحصول على الحقوق الكاملة، والتاريخ يثبت دائماً أن صاحب الحق ومهما طال الزمن، لا بد أن ينتصر في النهاية على الطغاة، والشعب الكردي لن يقبل بالظلم والإنكار والإبادة، والأيام القادمة ستثبت أن نضال الشعب الكردي سيجني ثماره بالتضحيات الكبيرة، من دماء عشرات الآلاف من الشهداء.