روديا عبدو
في كل زاوية من هذا العالم، هناك امرأة تصنع الحياة بصمت. تُربّي، تُعلّم، تُداوي، تُقاوم، وتزرع الأمل في أرضٍ قاحلة من التقدير. ولكن، حين تدير جهاز التلفاز أو تتصفح هاتفك، أي صورة تراها عنها؟ هل تراها تلك القوية التي تواجه الحياة بابتسامة مجروحة؟ أم تُقدَّم صورتها، باهتة، سطحية، مفرغة من المعنى، وكأنها مجرد ظل جميل يُكمل ديكور المشهد؟
إن الإعلام، بوصفه صانعاً للوعي الجمعي، لم يكن يوماً بريئاً في رسم صورة المرأة. بل كان – في كثير من الأحيان – أداةً لتعزيز القوالب النمطية، وتكريس التمييز، وإعادة إنتاج أنثى لا تُشبه الحقيقة، بل تبيع الحلم وتُطفئ الواقع.
في هذا المقال، نُحاول أن نخلع عدسة الإعلام المزوَّرة، لنرى المرأة كما هي: نوراً لا مرآة، صوتاً لا صدى، قضية لا زينة. نغوص في تفاصيل التشويه، وآثاره، ونسلّط الضوء على المبادرات التي تقاوم هذا التزييف، لعلّنا نعيد للمرأة صوتها الحقيقي في السرد العام.
في زحمة الصور المتلاحقة على الشاشات، وفي عصر يلهث فيه الإعلام خلف الإثارة والربح السريع، تتسرب صورة المرأة ككائن هش، مستهلك، صامت، أو متمرد بلا قضية. تراها جميلةً دائماً، منصاعة غالباً، ضحية أحياناً، ولكن قلّما تراها كما هي فعلاً: إنسانة، مفكرة، مقاومة، حقيقية.
منذ بدايات التلفاز، ومروراً بمرحلة الفضائيات، ووصولاً إلى هيمنة وسائل التواصل الافتراضي، ظلت صورة المرأة في الإعلام محصورة في قوالب جاهزة، نُحتت وفقاً لما يرضي ذوق السوق لا ضمير المجتمع. بين “المرأة السلعة” في الإعلانات، و”المرأة الضعيفة” في المسلسلات، و”المرأة المتمردة بلا عمق” في بعض الأفلام، تاهت صورة المرأة الواقعية التي نراها كل يوم، تلك التي تحمل بيتها على كتفيها، وتبني وطنها بكلمة أو موقف أو دمعة صابرة. فهل الإعلام مرآة حقيقية للمجتمع؟ أم أنه مرآة مقعّرة تشوّه الحقائق باسم الفن والحرية؟
صورة المرأة في الإعلام.. بين التزييف والسِلَع
من يراقب الإنتاج الدرامي العربي في العقود الأخيرة، سيجد أن المرأة غالباً ما تُعرض كأحد النماذج التالية:
– الفاتنة التي تفتن الرجال بجمالها فقط.
– المظلومة التي لا تملك سوى دموعها.
– أو “المرأة الشريرة” التي تُستخدم لإثارة الحبكات الدرامية.
وفي الإعلانات، تتحول المرأة إلى غلاف منتج. نادراً ما يكون لها صوت أو رأي، بل جسد وابتسامة توحي أن السعادة تُشترى، والجمال يُقاس بالبشرة والشَعر والوزن.
وسائل التواصل الافتراضي، رغم كونها منبراً مفتوحاً للجميع، كرّست في كثير من الأحيان هذه الصورة المعلبة. المؤثرات التي تتصدر المشهد نادراً ما تمثل عمق المرأة، بل في أغلب الأحيان تعرض حياة مثالية كاذبة أو مظاهر ترف ومكياج مفرط؛ ما يخلق فجوة مؤلمة بين “الواقع” و”المتوقع”.
المرأة الحقيقية… خارج الكاميرا
لكن في الجانب الآخر، وفي صمت الشوارع، في المستشفيات والمدارس والحقول والمخيمات، تقف نساء حقيقيات، لا يشبهن تلك التي نراها على الشاشة. هناك المعلمة التي تسهر لتكتب درساً يلهم طالباتها، والطبيبة التي تضحّي بوقتها لأجل مريض لا تعرفه، والأم التي تعمل ليلاً لتطعم أبناءها وتكمل دراستها نهاراً، والمزارعة التي تتحدى برد الشتاء لتروي أرضاً تنبت الحياة، وهناك أيضاً الصحفية، والناشطة، والكاتبة، والمناضلة، والفنانة. نساء يصنعن التغيير بلا عدسات، ويكتبن التاريخ دون أن يظهرن في نهايات المسلسلات. المرأة الحقيقية ليست صامتة كما يصورها الإعلام، بل حاضرة، عاملة، متفائلة رغم القهر، تحب وتربي وتثور وتبني. لكنها غالباً “لا تُباع”، ولذلك لا تُعرض.
التشويه وآثاره النفسية والاجتماعية
إن اختزال المرأة في بعد واحد فقط ـ الجسد أو الجمال أو العاطفة ـ يخلق أزمة هوية لدى الفتاة منذ صغرها. طفلة ترى أمها تكافح كل يوم، لكنها حين تفتح التلفاز، ترى أن “الأنثى الناجحة” هي فقط تلك التي تلبس ماركات وتضع المكياج وتعيش حياة خالية من المسؤولية، تبدأ بالمقارنة، ثم بالإنكار، ثم بالاحتقار الذاتي.
فتيات كثيرات يجلدن أنفسهن؛ لأن وجوههن لا تُشبه فلاتر الإنستغرام، أو لأن حياتهن لا تلمع كبريق النجمات. بالمقابل، تغيب القدوات الحقيقيات: العالمات، والقائدات، والمناضلات، والبسيطات اللاتي ينجحن بلا ضوء. إن الإعلام الذي لا يعرض الحقيقة لا يصنع وعياً، بل يصنع وهماً. ووهم الأنثى الكاملة، الجميلة دائماً، الضعيفة دوماً، هو وهم قاتل.
محاولات ناجحة… لكنها قليلة
رغم هذه الصورة السوداوية، إلا أن هناك محاولات إعلامية جادة لتمكين المرأة، خاصة في السنوات الأخيرة. بعض الأعمال الدرامية بدأت تعرض نماذج لنساء قويات، ومثقفات، قادرات على اتخاذ القرار. وظهرت في الإعلام العربي وجوه نسائية واعية، تقدّم خطاباً مختلفاً، تحاور، تحلّل، وتنقد. كما أن مبادرات إعلامية نسوية بدأت بالظهور، ومنها قنوات وبرامج تديرها نساء، تُركّز على قضايا التمكين والتعليم والعدالة.
لكن هذه المحاولات ما زالت صوتاً في بحر، وصورةً في وسط آلاف الصور المُزيّفة. التحدي الحقيقي ليس في تقديم “المرأة القوية” بطريقة نمطية جديدة، بل في تقديم الإنسانة بكل ما تحمله من ضعف وقوة، عاطفة وعقل، صبر وثورة.
الإعلام منصة للتغيير
إن أردنا أن نُغيّر الصورة، فعلينا أن نُغيّر من يصنعها. يجب أن تتواجد النساء في مواقع صناعة القرار الإعلامي: في التحرير، والإخراج، والإعداد، والكتابة. وينبغي أن تكتب المرأة عن المرأة، لا أن تُكتب كـ “شخصية نسائية” في سيناريو يضعه رجل لم يرَها إلا من نافذته.
ويجب على المؤسسات الثقافية والتربوية أن تعيد تعريف “النجاح النسوي” في أعين الجيل الجديد، لا أن تتركه رهينة لمؤثرات السوشيال ميديا “وسائل التواصل الافتراضي”.
كما أن الإعلام يحتاج إلى محتوى بديل، جذاب وهادف، يقدّم نماذج حقيقية، ويستعيد دور الفن في التثقيف لا التسويق فقط. المرأة ليست كائناً يُختصر في مشهد درامي أو لقطة إعلانية، وهي ليست جسداً يُسوَّق، ولا صوتاً يُزاح، ولا رأياً يُهمَّش. المرأة هي القصيدة التي لم تُكتب بعد، وهي الحكاية التي تستحق أن تُروى بصدق، لا بزخرفة رخيصة، وهي القوة التي تعيد تشكيل العالم كل صباح، بابتسامة أم، وقرار فتاة، وموقف مقاتلة. الإعلام إن لم يكن منصفاً لصورتها، فليكن صادقاً على الأقل، فليعكس النور لا القناع.
نحتاج إلى ثورة على الشاشة، لا تقل عن تلك التي تحدث في الواقع. نحتاج إلى أقلام وعيون ترسم المرأة كما هي: إنسانة كاملة، تُخطئ وتُصيب، تُحب وتغضب، تُقاوم وتنكسر، ثم تنهض وتُكمل، دون تجميل أو تهميش. في زمن يسهل فيه التضليل، تصبح الحقيقة بطولة، وفي زمن يُستهلك فيه الجمال، يصبح الصدق مقاومة، والمرأة هي البطولة والمقاومة معاً.