فيروز مخول
كَانَتْ تُقِيمُ فِي النِّصْفِ الغائب َ
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
لَا حَاضِرَةٌ كَفَيْضِ الوُرُودِ
وَلَا مُنْسَحِبَةٌ كَالرَّمَادِ.
تَقِفُ بَيْنَ النَّدَاءِ وَصَدَاهُ
وَتَقُولُ لِي:
أَحَبَبْتُكَ كَمَا يُحَبُّ الوَطَنُ…
لَمْ أَسْكُنْ فِيكَ
لَكِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي لِأَجْلِكَ.
كُنْتُ أَرَاهَا فِي دِمَشْقَ
فِي خَصْلَةِ ضَوْءٍ علَى الحِجَارَةِ القَدِيمَةِ
فِي رِيحٍ تَعْبُرُ الجِسْرَ
قُبَيْلَ المَغِيبِ
فِي تَجَاعِيدِ العَجَائِزِ
وصَوْتِ المُؤَذِّنِ يُرَتِّقُ السَّمَاءَ.
وَكُلَّمَا رَأَيْتُهَا كُنْتُ أَفْقِدُنِي قَلِيلاً
وَأَصِيرُ هُوَاءً يَجُرُّ رَائِحَتَهَا.
كَانَتْ تُجِيدُ الاخْتِفَاءَ
تَكْتُبُنِي فِي رِيحٍ
وَتَتْرُكُنِي لِأَضِيعَ
تُقَبِّلُنِي ثُمَّ تَغْسِلُ القُبْلَةَ
بِصَمْتٍ طَوِيلٍ.
وَكُنْتُ، كُلَّمَا فَقَدْتُهَا
أَشْتَمُّ الوَطَنَ فِي نُطْفَةِ ذَاكِرَتِي
وَأَعْلَمُ أنَّهَا كَانَتْ
أقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي.
أُنْثَى الغِيَابِ
لَا تَحْضُرُ… بَلْ تَتَجَسَّدُ.
تَكُونُ الحُبَّ حِينَ تَشْتَاقُ لِي
وَتَكُونُ الوَطَنَ حِينَ أَفْقِدُنِي
وَتَكُونُ الحَقِيقَةَ
فَقَطْ
عِنْدَمَا أَكُفُّ عَنِ البَحْثِ عَنْهَا.
هِيَ التِي تَتْرُكُنِي أَكْتُبُهَا
ثُمَّ تَسْحَبُ الوَرَقَ
مِنْ تَحْتِ يَدِي.
تَبْنِي نَفْسَهَا فِي المَجَازِ
وَتَغْسِلُهُ بِالصَّمْتِ
ثُمَّ تَخْتَفِي فِي الفِكْرَةِ
كَأَسْطُورَةٍ نَسِيَتْ نَفْسَهَا.
وَكُنْتُ… فِي كُلِّ مَرَّةٍ
أَتَعَلَّمُ أَنَّ الغِيَابَ لَيْسَ احتضاراً
بَلْ شَكْلاً آخَرَ لِلْحُضُورِ
وَأَنَّ مَنْ يُحِبُّ
يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ
أَنْ يُطْفِئَ قَلْبَهُ….
كَمَا تُطْفَأُ المَدِينَةُ
قُبَيْلَ النَّوْم
لِيَسْمَعَ مَا لَا يُقَال
وَيَرَى مَنْ لَا يَأْتِي
وَيُصَدِّقَ مَا لَا يُصَدَّق.
وَفِي يَوْمٍ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً
كُنْتُ أُرَتِّبُ الصَّمْتَ
عَلَى الطَّاوِلَة
حِينَ رَأَيْتُهَا ـ
لَا فِي المِرْآةِ…
وَلَا فِي الذِّكْرَى
بَلْ فِي الشَّيْءِ الذِي كَانَ
يَنْقُصُنِي
وَلَمْ أَعْرِفْهُ.
فَهِمْتُ … لِأَوَّلِ مَرَّة ….
أَنَّ الغِيَابَ
لَيْسَ هُوَ الذِي يُؤْلِمُنَا
بَلْ نَحْنُ…
لِأَنَّنَا نُصِرُّ عَلَى الاحْتِفَاظِ بِالأَشْبَاحِ
وَنُنْكِرُ نُورَهَا.
وَهِيَ…
لَمْ تَكُنْ حُبًّا وَلَا وَطَنًا
بَلْ كَانَتِ الفِكْرَةَ
التِي خَلَقَتْ كِلَيْهِمَا
وَاختَفَتْ…
لِتُثْبِتَ أَنَّ الوُجُودَ
أقَلُّ شَأْنًا مِنَ المَعْنَى.