No Result
View All Result
روديا عبدو
لم يعد من الغريب أن يتصدّر المشهد من لا يملكون ما يقولونه، ولا من يحملون فكرًا أو رسالة، بل بات الغريب والمستبعد أن يظهر صوتاً عميقاً، وفكرة مختلفة، وطرحاً راقياً.
نعيش اليوم في زمن غريب، حيث أصبحت التفاهة تُحتفى بها، ويُكافَأ أصحابها بالملايين، ويتحوّلون إلى “قدوة الجيل”. زمن تُمنح فيه الشهرة لمن يصرخ أكثر، لا لمن يُفكر أكثر. لكن؛ السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه هو “من يصنع الذوق العام؟ ولماذا أصبحت التفاهة موضة؟”.
وفي هذا المقال، سنغوص في عالم الإعلام، السوشيال ميديا، والتعليم، والأسرة، لنفهم كيف وصلنا إلى هنا، وما الذي يمكننا فعله لإنقاذ وعينا الجمعي من موجة التسطيح الجماعي.
من المسؤول عن صناعة الذوق العام؟
فالذوق العام لا يتكوّن من فراغ، هو نتاج تراكمات “ما نراه، ما نسمعه، ما نُكافئه، وما نُهمّشه”، حين تُعرض برامج “المقالب الرخيصة”، وتُصفّق لها الملايين، فهذا ترسيخ لذوق سطحي. وحين يتم تهميش البرامج الفكرية، وتغيب عن الشاشات، فهذا قتل للذوق الراقي.
المدرسة، والإعلام، والعائلة، ومواقع التواصل الافتراضي، كلها شركاء – بشكل أو بآخر – في تشكيل الذوق العام. لكن؛ للأسف، من يملكون المال والتأثير يفضلون الربح على القيم، والانتشار على الجودة.
لماذا تُفضّل التفاهة؟
– لأنها سريعة الهضم، لا تتطلب تفكيرًا.
– لأنها تثير فضولًا سطحيًا، دون أن تُربك النظام القائم.
– لأنها تجذب الإعلان، والمشاهدات، والربح.
أما العمق، فيحتاج وقتًا، واستعدادًا للمواجهة، وقد يزعج البعض، ويكشف زيفهم.
السوشيال ميديا… حين يتحول التافه إلى قدوة
نحن في زمن “الترند”، حيث من يصرخ أكثر يُشاهَد أكثر.
شخص يرقص بطريقة غريبة، أو يفتعل فضيحة، أو يتحدث عن حياته الخاصة بسطحية… يتحوّل إلى “مؤثر”!
وفي المقابل، المثقف الحقيقي، والمربي الصادق، والكاتب المُلهم، يُعاني من قلة الوصول، وقلة الاهتمام.
الخلل ليس فقط في “الناس”، بل في الخوارزميات التي تُكافئ الضجيج، وتُقصي الجودة.
أثر التفاهة على جيل الشباب
– تسطيح الوعي، واختزال الطموح في الظهور السريع.
– تغييب القدوات الحقيقية، مقابل نجوم وهميين.
– الانفصال عن الواقع، والغرق في عالم “ترندات” مؤقتة.
– ضعف في مهارات التحليل، والنقد، والتمييز بين الحقيقي والزائف.
جيل ينمو على وهم الشهرة، لا على قيمة الإنجاز.
التفاهة ليست جديدة.. لكن أدواتها تطورت
التفاهة ليست وليدة اليوم، لكنها وجدت في زماننا من يروّج لها باحتراف. في الماضي، كانت تُحاصر. اليوم، تُسوّق، وتُجمَّل، وتُمنح جوائز. المفارقة أن بعض من يُروجون للتفاهة، يدّعون أنهم “يعكسون الواقع”، بينما هم في الحقيقة يُفرغون الواقع من معناه، ويُشوّهون الذائقة العامة باسم “التسلية”.
كيف نُعيد الاعتبار للذوق الراقي؟
-
بإعادة بناء المنصات الإعلامية والثقافية: دعم القنوات الجادة، وصناعة محتوى ممتع وذكي في الوقت نفسه.
-
بالتربية على الذوق في البيت والمدرسة: لا يكفي أن نقول لأطفالنا “اقرأ”، بل علينا أن نقرأ معهم، ونُناقش ونُشجع.
-
بالمقاطعة الواعية للتفاهة: لا نشاهد، لا نشارك، لا نُصفّق للتفاهة، مهما بدت ممتعة.
-
بإبراز القدوات الحقيقية: تسليط الضوء على من يصنعون فارقًا، لا من يصنعون ضجيجًا.
-
بالصبر الثقافي: التغيير لا يحدث فجأة. هو مسار طويل يبدأ من بيت، من قلم، من فكرة، من مقاومة صامتة ومستمرة.
فنحن لا نعيش أزمة وعي فقط، بل أزمة ذوق، وحين تُصبح التفاهة هي القاعدة، يصبح العمق ثورة. فالمعركة ليست ضد أشخاص تافهين، بل ضد نظام يُكافئ السطحية، ويُقصي القيم. وإن لم نقاوم هذا الانحدار، سنُسلم أطفالنا إلى عالم بلا معنى، بلا قدوة، بلا حلم. فلنكن صوتًا مختلفًا في هذا الصخب. فلنزرع في كل كلمة نكتبها، أو نشاركها، أو نختارها، بذرة ذوق جميل، وفكر راقٍ.
فلعلّنا نعيد للإنسان شيئًا من إنسانيته، وللأدب شيئًا من مجده، وللحياة نكهتها الحقيقية؛ لأننا ببساطة… نستحق أكثر من هذا الضجيج.
No Result
View All Result