ريما آل كلزلي
بقسوة يواجه نفسه كل صباح، يطحن بقايا أحلامه الصدئة كمن ينقّب في مقبرة مهجورة. يحلم بقديسته التي وعدته أن تقوده عبر الجحيم إلى الضفة الأخرى، لكنه عالق الآن في منتصف الطريق، يتأمل حوله في ذهوله، كأنما يدرك فجأة أنه لم يعد هناك ما يمكن أن ينقذه.
في منتصف عقده الحديدي، حيث كل شيء بات يثقل كاهله، ينهار داخله كتمثال سحقته يد الزمن، يكتشف أن ما كان قديسًا لم يكن إلا سرابًا. قدّسته حتى أحرقه، وعندما استدار لينجو بنفسه، وجدها قد دنّست دفء أحلامه وألقت بها في مهب الريح.
قديسة؟ لا. ربما أية تسمية أخرى تصح، كلها وجوه لعملة واحدة، فقد أوهمته بما لا يملكه، ثم قادته إلى الفراغ. هو الذي كان يمشي على أطراف أصابعه حولها كطيف يحرس معبده، ها هو يكتشف أنه كان يحرس حفرة عميقة، حفرة ابتلعت كل شيء: الشجاعة، البراءة، وحتى كرامته.
يتذكر كيف كانت تعد بالكثير، بنظرة واحدة، بضحكة مائلة، بحركة عابرة. وكل وعودها كانت مؤجلة، كل أمل كان مؤقتًا، وكل لذة كانت مسمومة. كان يظن أنه يقترب منها، لكنه كان يبتعد عن نفسه أكثر.
ها هي الآن تتركه وحيدًا، مثل جثة تُركت لتتعفن بين ذكرياته. يعود إلى مساءاته المملة، يجلس أمام مرآة لا تعكس سوى شبح رجل لم يعد يعرف من يكون. يتفقد جثث أحلامه التي تركتها خلفها، متفسخة ومجروحة، ويشعر بخيبة عظيمة.
كم كان مخدوعًا
اليوم ليس كما كان بالأمس. الأمس كان وهمًا. واليوم هو الحقيقة العارية. يومياته متفردة، لكنها؛ فارغة. حتى هو نفسه لم يعد قادرًا على التنبؤ بمشاعره.
قلبه، ذلك الزنبرك الذي كان يتقافز بحثًا عنها، الآن متعب، مترهل، يئن تحت وطأة رغباته القديمة التي تحولت إلى رماد. حتى الكوابيس التي كانت تقوده إلى فردوسها العاثر لم تعد تزوره.
الآن، يجلس في عزلته، يحصي خسائره، يتذكر وجوهًا كثيرة ضاعت في زحمة أحلامه المحطمة. كثيرون كانوا ضحاياها، لكنه كان الضحية الأولى، وربما الأخيرة.
يحاول أن يتجاوز. يحاول أن يبتكر أشياء غامضة، أن يرتجل حياة جديدة، أن ينسى. لكنه لا ينسى.
هو لم يعد يهتم بكونه قديسًا أو مجرد رجل مخذول. يعرف الآن أن الحياة لا يمكن ترويضها بتجارب ناقصة. يعرف أن الأمس لم يعد يشبه اليوم.
لكنه يعرف شيئًا آخر أيضًا:
هو ليس نفسه قبل يوم واحد.
ولن يكون نفسه غدًا.
أما الآن، فهو يكتب نهايته بصمت، يروي حكايته لنفسه، كما لو كان يعتذر عن كل شيء:
لأنه أحبها.
لأنه صدّقها.
لأنه كان نصف قديس، ونصف مخدوع.