روناهي/ الرقة ـ تنجح تنمية المجتمعات المحلية من خلال تشجيع المشاريع الصغيرة وتنمية روح الاكتفاء الذاتي واستغلال الثروات المحلية، كما أكد الرئيس المشترك للجنة التعاونيات في مقاطعة الرقة، بأنها ليست مجرد مشاريع تنموية تعاونية، بل تجربة مجتمعية تبعث على الأمل، وتساعد في توفير فرص عمل دائمة وتعزيز الإنتاج المحلي.
وسط تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة تعاني منها معظم مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، يبرز نموذج مجلس الاقتصاد والزراعة في الرقة كمبادرة متميزة تسعى إلى إرساء قواعد اقتصاد مجتمعي متماسك يعتمد على التعاونيات والمبادرات المحلية، فقد شهدت المدينة وريفها منذ بداية عام 2022 خطواتٍ حثيثة لإنعاش القطاعات الإنتاجية من خلال مشاريع تعاونية تستجيب لاحتياجات السكان، وتقدّم حلولاً فعلية لأزمات البطالة وغياب فرص العمل.
إشراك الأهالي في النشاط الاقتصادي
وهذه الجهود يقودها “مكتب المشاريع المجتمعية والتعاونيات” الذي تم تأسيسه خصيصاً لدعم الإنتاج المحلي، بالتعاون الوثيق مع المجالس والكومينات في مختلف المناطق، وتمثل رؤية المكتب بتمكين الأهالي عبر إشراكهم في النشاط الاقتصادي بشكلٍ مباشر، وتوفير الأرضية المناسبة لإنشاء مشاريع تحقق الاكتفاء الذاتي وتخفف من الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وقد حظيت هذه المشاريع بترحيبٍ شعبي واسع؛ لأنها لم تقتصر على قطاع واحد فقط، بل شملت مجالات متنوعة كالصناعة والزراعة وتربية الحيوانات، مما يعكس فهماً عميقاً لخصوصية المنطقة ومواردها المتوفرة. من تدوير البلاستيك إلى تربية الأسماك والأبقار، وصولاً إلى الأفران ومعاصر الزيتون، كلها مشاريع باتت اليوم جزءاً من نسيج الحياة اليومية في الرقة.
يأتي هذا التحول في ظل إدراك متزايد لدى الجهات المحلية بأن التعافي الاقتصادي لا يتحقق إلا عبر تمكين المجتمعات المحلية من أدوات الإنتاج، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة تتيح للجميع المساهمة في تحسين الواقع المعيشي دون الاعتماد على المعونات أو الحلول المؤقتة.
مشاريع تنموية تعاونية.. تفصيل للمبادرات وتحليل الأثر
أول تلك المشاريع في مقاطعة الرقة هو مشروع تدوير البلاستيك (بهار)، الذي يهدف إلى معالجة النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام. يقوم المشروع على جمع وفرز ومعالجة المخلفات، وينتج عنها حبيبات بلاستيكية تُستخدم في الصناعات المحلية، ما يُسهم في تقليل التلوث البيئي وتشغيل أيدي عاملة جديدة، خاصةً من النساء والشباب.
أما مشروع الأراضي الزراعية، فقد استفادت منه 71 عائلة، جرى تمكينها من زراعة أراضي مجهّزة بالبذور والأسمدة، فضلاً عن توفير معدات زراعية وخدمات إرشادية، هذا المشروع ساهم في تفعيل الجمعيات الزراعية، ورفع قدرات الإنتاج المحلي، وهو نموذج لتجاوز التحدي المزمن المتمثل بقلة ملكية الأراضي لدى كثير من العائلات.
ولإحداث تكامل في سلسلة الإنتاج الزراعي والحيواني، أُطلق مشروع معمل الأعلاف، الذي يوفر خلطات غذائية مدروسة لمربي الدواجن والمواشي. المعمل ساعد في خفض التكاليف التشغيلية لمشاريع المداجن والأبقار، كما وفر فرص عمل مباشرة في الإنتاج والنقل والتوزيع.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، تُعد مشاريع المداجن (المفقص، الأمهات، المذبح) رافداً مهماً للإنتاج الغذائي، إذ تؤمّن لحوم الدجاج بجودة عالية تغطي حاجة السوق المحلي، إلى جانب فتح المجال أمام عمليات تشغيلية متكاملة من التربية حتى الذبح والتوزيع.
وفي سابقة جديدة على المنطقة، شهدت الرقة تأسيس مشروع مزرعة الأسماك، الذي أدخل قطاعاً غير تقليدي إلى بيئة اقتصادية تعتمد غالباً على الزراعة البعلية أو تربية الأغنام. يهدف المشروع إلى إنتاج إصبعيات لتوسيع نطاق التربية، وتوفير مصدر غذائي غني بالبروتين لأهالي المنطقة.
وأما مشروع مزرعة الأبقار، فقد ركّز على تحسين سلالات المواشي، وإنتاج الحليب ومشتقاته محلياً. يتضمن المشروع دورات تدريبية للرعاة، ورقابة بيطرية مستمرة، ويُستخدم إنتاجه في دعم الأفران والمطاعم المحلية، ما يخلق حالة من التكامل المجتمعي في الإنتاج والاستهلاك.
وفيما يتعلق بالسلع الأساسية، تم تحديث وإنشاء عدة أفران لتأمين الخبز بأسعار مناسبة وجودة عالية، وهي خطوةٍ ساهمت في تخفيف العبء عن كاهل العائلات محدودة الدخل، ووفّرت فرص عمل في صناعة الخبز وتوزيعه.
ومن المشاريع الموسمية اللافتة، برز مشروع البيوت البلاستيكية الذي أتاح زراعة الخضراوات في غير موسمها، مما وسّع من نطاق الزراعة المستدامة. كما ساهم مشروع معصرة الزيتون في تقديم خدمة محلية عالية الجودة لمزارعي الزيتون، ما أتاح لهم تحقيق ربحية أعلى وتقليل الفاقد في الإنتاج.
إعادة الثقة أساس الحلول الاقتصادية
وفي هذا الصدد؛ تحدث لصحيفتنا “روناهي” الرئيس المشترك للجنة التعاونيات في مقاطعة الرقة “عبد الغفور الرومي”، وأشار إلى “إن كل مشروع تم إطلاقه بدأ من احتياج واقعي ودارسة جدوى بالتعاون مع الأهالي، وأن إحدى أهداف المكتب هي إعادة الثقة بين الناس والاقتصاد المحلي”.
وزاد: “مشروع تدوير البلاستيك نموذج حيّ على القدرة المحلية في تحويل النفايات إلى فرص، قمنا بتدريب النساء والشباب على تقنيات المعالجة، وبدأنا نرى النتائج على مستوى الإنتاج والعمل”.
واعتبر الرومي بأن مشاركة الأهالي في المشاريع التعاونية، هي جوهر التجربة “هذه ليست مجرد مشاريع تنموية، بل تجربة مجتمعية تبعث على الأمل. المجتمع هنا لم يعد متلقياً فقط بل شريكاً في القرار والتنفيذ”.
توسيع دائرة المشاريع
واختتم الرئيس المشترك للجنة التعاونيات في مقاطعة الرقة “عبد الغفور الرومي” حديثه بالتأكيد على استمرار المكتب في تطوير برامج موسمية واستراتيجية تتماشى مع فصول الزراعة والطلب المحلي: “نطمح لتوسيع دائرة المشاريع لتشمل مجالات أخرى كالصناعات الغذائية والتدريب المهني”.
نحو اقتصاد مجتمعي مستدام
تبرهن هذه المشاريع التعاونية إن النهوض الاقتصادي في مناطق ما بعد الحرب لا يقتصر على ضخ رؤوس الأموال، بل يكمن في الاستثمار بالبشر أولاً. إذ أدت تلك المبادرات إلى توليد فرص عمل دائمة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وخلق وعي جمعي حول أهمية التعاون والمساهمة المجتمعية.
غير أن استدامة هذه المشاريع تتطلب دعماً مؤسسياً إضافياً، خصوصاً في مجالات التسويق، وتدريب الكوادر الشابة. كما أن فتح قنوات تعاون مع منظمات تنموية ومؤسسات تمويل محلية يمكن أن يعزز من أثرها ويوسّع نطاق المستفيدين.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه مناطق عدة بإطفاء أزمات اقتصادية طارئة، تمكّنت الرقة من تحويل معاناتها السابقة إلى فرصة للتجديد والنهوض، مقدّمة نموذجاً محلياً قابلاً للتكرار في بيئات مشابهة.
يبقى الرهان على وعي المجتمع المحلي، ومثابرة مؤسساته، في تحويل هذه المبادرات إلى دعائم ثابتة ترفع من سوية حياة الناس، وتعزّز مفهوم العدالة الاقتصادية والتضامن الاجتماعي.