الشدادي/ حسام الدخيل ـ بين أراضٍ قاحلة، وتحت شمس تشقّق وجه الأرض، يعيش مربو الثروة الحيوانية في جنوب مدينة الحسكة واحدة من أقسى مراحلهم المعيشية منذ عقود. موجة جفاف استثنائية ضربت المنطقة، لتكشف هشاشة البنية الزراعية وغياب أي خطة إنقاذ فعالة، في وقتٍ أصبحت فيه الماشية عبئاً بدل أن تكون مورداً للعيش.
في قرى وبلدات الشدادي والعريشة ومركدة، لم يعد بمقدور الرعاة الاعتماد على المراعي الطبيعية التي طالما وفّرت لهم الكلأ طوال فصل الربيع، فمعدل الأمطار كان أدنى بكثير من المعدل السنوي، ما أدى إلى انعدام الغطاء النباتي تقريباً.
المراعي اختفت.. والأعلاف نار
“لم تعد هناك أرض لنرعى أغنامنا، نحمل تكاليف العلف على ظهورنا أو لا نطعمها”؛ بهذه الكلمات لخص المربي “عايد العلي” واقع الحال، وهو ينظر بأسى إلى قطيع أغنامه الذي تضاءل إلى أقل من النصف خلال عام واحد.
أسعار الأعلاف بحسب ما أكده العلي تضاعفت لأكثر من ثلاث مرات، حيث بلغ سعر كيلو الشعير حدود 3500 ليرة سوريّة، فيما غاب أي شكل من أشكال الدعم أو التدخّل الرسمي.
بيع قسري ونزوح نحو المجهول
الواقع القاسي دفع كثيراً من المربين إلى اتخاذ قرارات مؤلمة؛ بيع قطعانهم بأثمان متدنية، أو النزوح إلى مناطق أخرى بحثاً عن مرعى أخضر.
“هلال الحسن”، شاب ثلاثيني من ريف الحسكة، اضطر إلى بيع أكثر من 200 رأس غنم العام الماضي ليتمكن من شراء علف للـ80 رأساً المتبقية.
“صرنا نشتغل أعمال يومية ونصرف على الغنم بدل ما تعيلنا.. هذا غير منطقي ولا مستدام”، يقول بنبرة تحمل الغضب واليأس.
غياب التخطيط.. وصمت الجهات المعنية
رغم وضوح حجم الكارثة، لم تبادر الجهات المسؤولة في الإدارة الذاتية الديمقراطية أو المنظمات الزراعية بأي خطوات فاعلة لإنقاذ القطاع، بحسب شهادات عدة مربين لصحيفتنا.
لا مشاريع لدعم الأعلاف، ولا قروض طارئة، ولا حتى خطط للاستفادة من مياه الآبار أو إنشاء خزانات احتياطية. الوضع برمّته يُدار بسياسة “رد الفعل”، بحسب ما يراه المربي “عبد القادر العبد الله”.
“ما يحدث ليس أزمة عابرة، بل بداية لانهيار قطاع رعوي يشكّل ركيزة من ركائز الأمن الغذائي في الجنوب. وإن استمر الإهمال، فالعواقب ستكون وخيمة ليس على المربين فقط، بل على السوق كله”.
القطاع في خطرٍ.. والحلول غائبة
وفق بيانات محلية غير رسمية، فإن أكثر من 80% من مربي الماشية في ريف الشدادي إما خفّضوا عدد رؤوسهم أو تركوا المهنة كلياً، ما يشير إلى أزمة طويلة الأمد قد تحتاج سنوات لتعويض آثارها. ويتوقع مختصون في الاقتصاد الزراعي إن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، ويزيد من وتيرة الهجرة الداخلية نحو المدن التي تعاني أصلاً من ضغوط معيشية هائلة.
ما بين الانتظار والتحمّل
اليوم، يقف مربو الماشية في الجنوب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الصمود بما تيسّر، أو الانسحاب من مهنة توارثوها أباً عن جد، ومع غياب السياسات الداعمة، يبقى الأمل معلقاً على موسِم قادم يحمل الغيث، أو على قرار إداري يُعيد الاعتبار لقطاع رعوي يلفظ أنفاسه الأخيرة.