زاوية تحت السطر ـ هيفيدار خالد
تتراكم التساؤلات الكبيرة حول مصير الشعوب بأعراقهم وأديانهم المتعددة في سوريا، لا سيما بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة في البلاد. فهل تستطيع الإدارة الحالية حمايتهم؟ وهل هي قادرة على ضمان حقوقهم في الدستور السوري الجديد؟ وهل هي مستعدة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض ضد الشعوب، وعلى رأسهم الشعب الكردي؟ وهل لديها الإمكانات الكافية لتجاوز الآلام والمأساة التي عانى منها هؤلاء لسنوات طوال تحت سلطة النظام البعثي السابق؟ وأيضاً، هل يمكنها معالجة كافة مشكلات السوريين في ظل الفوضى العارمة التي خرجت عن السيطرة، ووضع حد لخيبات الأمل المتكررة التي شهدها الشعب السوري في حياته، وبالتالي تجاوزها؟
إن سقوط النظام البعثي في سوريا لم يكن مجرد محطة عابرة أو جولة تصعيد اعتيادية بالنسبة للشعب السوري، بل كان أزمة بنيوية حقيقية. لذلك، يتطلب الوضع في البلاد بحثاً وتمحيصاً عميقاً لفهم ما يجري للسوريين نتيجة سياسات السلطة الحالية في دمشق، التي أثبتت عجزها عن ضبط الإيقاع وفق تطلعات الشعب السوري. الوضع بحاجة إلى تحوّل فكري، وسياسي، واجتماعي وثقافي، يرسم ملامح خارطة جديدة للأزمة البنيوية في سوريا، ويطرح حلولاً جذرية تساعد في جر البلاد نحو الاستقرار الذي تنتظره شعوب سئمت الحرب والدمار.
هنا تبرز ملامح التطورات التي قد تشهدها سوريا، التي تبدو على حافة الانهيار، ما لم تقم الحكومة الحالية بالمهام التي تقع على عاتقها، وتطرح مساعي الحل من أجل مواجهة آلة التصعيد التي تشهدها البلاد. كما أن حماية الشعوب السورية ووقف المجازر المرتكبة بحقهم أمر ضروري، إذ يتم قتلهم على أساس العرق والهوية والدين. شهدنا ما حصل في بلدة تل عران السورية من عمليات خطف الشبان الكرد، وفي عفرين من عمليات القتل، وكذلك المجزرة التي ارتكبت في كنيسة مار إلياس بالعاصمة دمشق، كمثال حي على ذلك.
لقد دخلت سوريا مرحلة جديدة، ولم تعد المعادلات والحسابات القديمة تفي بالغرض. فقد تغيّر كل شيء في هذه المنطقة، وعلى السلطة الجديدة أن تغيّر نفسها أيضاً، وأن تتقبل الجميع. سوريا لكل السوريين، ويجب أن يعيش الجميع فيها بهويته ودينه وثقافته، دون أن يتعرض لأي أذى.
الشعوب السورية بحاجة إلى الحماية والتنظيم، ولديهم القدرة على ذلك إذا اعتمدوا شعار الحوار أساساً لهم. يجب أن يتجمعوا حول طاولة واحدة، وتحويل هذه الطاولة إلى منصة للحوار والنقاش، والتوافق والتحالف والتكاتف. ويجب أن يتم الاتفاق على صياغة حل تحيطه لغة السلام، من أجل سوريا ديمقراطية حرة ومشرقة. الرسالة الأعمق لهذا التكاتف يجب أن تكون بلغة منطقية تمس قلوب الجميع، فإلا فإن الشعوب السورية ستبقى عرضة للمعاناة والمجازر، كما هو الحال الآن. فالشعوب في سوريا تحت خطر الموت، وطريق خلاصها يمر من خلال التنظيم والتكاتف والنضال المشترك، بذلك يتم وضع حد قاطع للمجازر وعمليات الإبادة التي يتعرضون لها أمام مرأى المجتمع الدولي، الذي لم يحرك ساكناً.
وعلى الحكومة في دمشق أن تجيب على جميع التساؤلات المتعلقة بمصير الشعوب السورية الأصيلة، وأن تنهي المعاناة التي يتعرضون لها، من خلال الاعتراف بحقوق الجميع في الدستور السوري الجديد، وضمان حماية وجودهم.