No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ في زاوية منسية من شارع رئيسي في مدينة الطبقة، يجلس رجل خمسيني يُدعى “مصطفى طرغل” خلف طاولة خشبية صغيرة تحمل أدواته البسيطة، لا لافتة تُعلن عن مهنته، ولا متجر أنيق يجذب الزبائن، بل بسطة متواضعة، وعدسة ومفك وبعض المسننات القديمة، وعند الاقتراب، تشعر أنك تقترب من رجل يُرمم الزمن.
في وجهه بقايا تعبٍ نبيل، وفي يديه ما يشبه الطمأنينة كل ساعة يفتحها ليست مجرد آلة، بل قصة معلّقة، ساعة من ورثٍ عائلي، أو من ذكرى حبيب، أو من زمن مضى لا يزال حيًّا خلف الزجاج والكاسيت.
منذ أن جاء من إدلب إلى الطبقة عام 1982، اختار “مصطفى طرغل” أن يُجالس الوقت، لا أن يركض خلفه، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف، ما زال في مكانه، يُصلح العقارب كما لو أنه يُصلح شيئًا منّا نحن أيضًا.
البداية من البيازير والصنعة من الحميدية
وُلد “مصطفى طرغل” عام 1969، وتعلّم المهنة في بدايات شبابه، متنقلاً في البيازير بين ريف الطبقة الشرقي والريف الغربي من حلب، حيث أمضى ستة أشهر في تعلّم الصنعة. ومع التحاقه بالخدمة الإلزامية عام 1988، لم يتخلَّ عن حرفته، بل واصلها في سوق الحميدية الشعبي بدمشق، ثم على يد أستاذه “راغب عبيد”، أحد أوائل من امتهنوا تصليح الساعات في الطبقة.
عبارة المذهول… حيث بدأ الزمن ينطق
وعند عودته إلى الطبقة، عمل طرغل في محل راغب عبيد بعبّارة المذهول، قرب دوّار الساعة في السوق المركزي، المكان الذي يعتبره نواة الحرفة في المدينة.
وفي لقاء مع صحيفتنا “روناهي”، تذكر “طرغل” الأسماء التي سبقته: (سعيد، الذي كان محله تحت فندق المدينة، راغب عبيد، في عبارة المذهول، الدالي، قرب باب جامع الرضوان الغربي)، وقال: “أغلب من سبقوني قد توفّاهم الله، أو غادروا المدينة… وأنا ما زلت أواصل ما بدؤوه، وأحمل هذا الإرث بكل حب ووفاء”.
لا أعمل على الساعات الذكية… لأنها بلا روح
ولا يخفي طرغل وفاءه لنمطه الكلاسيكي في العمل، حيث نوه بابتسامة رزينة: “أُصلح الساعات ذات العقارب، الرقمية، الكاسيو، المنبّهات… كل شيء إلا الساعات الذكية، فهي بلا روح، ولا تعني لي شيئًا”.
وأضاف: “هذه المهنة هي مصدر رزقي الوحيد، ومن خلالها أُعيل أسرتي، وما زلت أعمل بها حتى اليوم بعد مضي 35 عامًا، رغم كل ما تغيّر”.
بسطة بسيطة… وسمعة طويلة
ومنذ عشرة أعوام، لم يعد لطرغل محل ثابت، فاستقر في بسطة متواضعة على رصيف الشارع الرئيسي، صندوق خشبي صغير، وعدد قليل من الأدوات، لكن سمعته تغنيه عن كل شيء. حيث أوضح: “الناس ما زالت تثق بي، رغم تواضع المكان، في كل ساعة قصة، وفي كل إصلاح شعور بأنني أُرمم جزءًا من ذاكرة الناس”.
مهنة تتناقص… ومكانة ثابتة
وتأسف طرغل لتراجع الإقبال على تعلم المهنة، لكنه ما زال يحتفظ بمكانته كأحد أقدم العاملين فيها في مدينة الطبقة.
واختتم “مصطفى طرغل” حديثه: “أولادي لم يتعلّموا المهنة، يرونها بلا مستقبل، لكنني أراها مهنة شريفة تطعم الخبز وتحفظ الكرامة. أخشى أن يأتي يوم تختفي فيه من المدينة… لكن الأمل لا يغيب”.
حين يصبح الزمن أمانة بين يديه
وفي زمن تُقاس فيه الساعات بخوارزميات الهواتف الذكية، لا يزال “مصطفى طرغل” يُمسك الزمن من عنقه، ويرمّم ما انكسر من عقاربه، بإبرة ومفك وصبرٍ طويل.
ففي الطبقة، ما زال أحد أقدم مصلّحي الساعات يُصلح ما أفسده النسيان، ويحفظ للتوقيت هيبته.
No Result
View All Result