روديا عبدو
الحرية ليست كلمةً نرددها في الأغاني، ولا شعارًا نحمله في المظاهرات، ولا ترفًا فكريًا نتداوله في الندوات، الحرية، ببساطة، هي أن تعيش وأنت تشبه نفسك… أن تنتمي لما تُحبّ، لا لما يُراد لك، أن تختار، حتى وإن دفعتَ الثمن، أن تقول “لا” حين يكون “نعم” أسهل، أن تخلع الأقنعة التي وُلدت بها، وتمشي حافي الروح، دون خوف.
كثيرون يعتقدون أن الحرية هي أن تفعل ما تريد، لكن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، حين تتحرر من صوتٍ داخلي يجلدك، ومن ذاكرةٍ تربطك بالخوف، ومن صورةٍ مفروضة عليك كيف “ينبغي” أن تكون.
الحرية، هي أن تُعيد تعريف نفسك بأصابعك، لا بأقلام الآخرين، أن تتحرر من الرغبة في إرضاء الجميع، وتُرضي روحك أولًا، أن تؤمن أن لك الحق في أن تُخطئ، وأن تتعلم، وأن تبدأ مجددًا.
في مجتمعاتٍ تحكمها القوالب، تُعدُّ الحرية جريمة، فتاةٌ تتكلم بحرية؟ تُوصف بالوقاحة، شابٌ يرفض العمل في وظيفة لا تُشبهه؟ يُقال عنه عاطل، امرأة تطلب الطلاق من أجل كرامتها؟ تُسمّى متمردة.
لكن الحقيقة أن كلّ إنسانٍ لا يسير وفق القطيع، هو حرّ، وكلّ امرأة تقول: “أريد أن أعيش كما أنا، لا كما يُراد لي”… هي ثورة تمشي على قدمين.
الحرية لا تعني الفوضى، ولا تعني أن ترفض كل شيء. بل أن تختار من ماذا تتحرر، ولماذا، وكيف. أن تتصالح مع نفسك، لا أن تتهرّب منها، أن تعرف أن قول “نعم” من دون قناعة… هو استعباد صامت.
كلّ خطوة نحو الحرية، هي معركة مع الخوف، والذنب، والعزلة، لكنّها أيضًا ولادة جديدة، تُولد وأنت نفسك، دون زخارف، دون أقنعة، دون تنازلات.
الحرية ليست وجهة، بل طريقاً مليئاً بالحفر، لكنه أيضًا مليء بالضوء. أن تكون حرًا لا يعني ألا تُخطئ، بل أن تتحمّل نتيجة اختياراتك، أن تكون حرًا لا يعني أن تُرضي الجميع، بل أن تكون صادقًا مع نفسك.
فإن أردت أن تُحب، فاختر بحرية، وإن أردت أن تمشي، فامشِ بحرية، وإن أردت أن تصرخ، فاصرخ بحرية، فمن لا يملك حريته، لا يملك صوته، ولا ملامحه، ولا روحه.
الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، لا تُشترى، بل تُولد من نار التجربة. والحر، هو من قرر ألا يعود عبدًا، ولو بقي وحيدًا.