زاوية ومضات ـ صلاح الدين مسلم
لطالما احتلت النخب المركزية في طهران وبقية العواصم السياسية في الشرق الأوسط موقعاً مهيمناً في صياغة مستقبل شعوبها، بينما ظلّتِ المجتمعات الطرفية (الكرد، البلوش، العرب الأحواز، الآذريون، التركمان، اللور، وغيرهم) تُختزل في الخطابات الرسمية كمجرد “أقليات”، أو تُحرم من حقوقها الثقافية والسياسية. غير أنّ الوقائع التاريخية والمقاومات الممتدة لهذه الشعوب تبيّن أنّها كانت على الدوام القاعدة الصلبة لأيّ نهوض تحرري، تنطلق هذه المقالة من مقولة مركزية للفيلسوف والمناضل عبد الله أوجلان، بأن “القضيةُ الفلسفيةُ الرئيسية تتعلقُ بالعلاقةِ بين الهويةِ والحرية. أَكان بالإمكانِ عيشُ الهويةِ من دون حرية؟ أَكانت الحريةُ بمعناها الفرديِّ ممكنةً من دونِ هويةٍ مجتمعية؟ ولَئِنْ كان من الصعبِ إعطاءُ جوابٍ إيجابيٍّ على هذَين السؤالَين الأساسيَّين، فسيتطلبُ حينها إضفاءَ المعنى على العلاقةِ بين الممارسةِ والحرية، أي بين الإرادةِ والحرية.” ويُعاد الآن تأويل هذه المقولة في ضوء واقع المجتمعات المقهورة في إيران.
فرغم مركزية طهران في صنع القرار السياسي، فإنّ التغيير الجذري في إيران لم ينبثق يوماً من قلب المؤسسات الرسمية أو النخب الحاكمة، بل من الأطراف التي تعرّضت للتهميش والقمع، لكنّها صمدت، وإنّ مقاومة الكرد في شرق كردستان، أو مقاومة الأحواز ضد التهجير القسري، أو نضال البلوش من أجل العدالة، تشكّل مؤشرات على قدرة هذه الشعوب على صياغة نماذج بديلة للسلطة والمعنى.
يرى القائد أوجلان أنّ الثورة ليست مجرد إسقاط لنظام قائم، بل تحوُّل في بنية المعنى نفسها، يبدأ من الاعتراف بالهوية، واللغة، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، وفي هذا الإطار، لا تكون الثورة فعلاً نخبوياً يُفرض من فوق، بل حالة تراكمية تولد من داخل المجتمعات نفسها، ومن خبراتها التاريخية وذاكرتها الجمعية، ومن مقاوماتها اليومية ضد التذويب والصهر الثقافي.
إنّ أحد أخطر المفاهيم التي ساهمت في إدامة الاستبداد توصيف للشعوب الأصلية بكونها “أقليات”، ممّا يضمر دونيةً ضمنيةً تجاهها، بينما تفترض النماذج الديمقراطية التعددية المعاصرة الاعتراف بهذه الشعوب كشركاء أساسيين، ولهم الحق في تمثيل سياسي مستقل، وتعليم بلغاتهم الأم، ومؤسسات ثقافية، ومجالس إدارة ذاتية تعكس إرادتهم.
لا يكفي دعم هذه المجتمعات من خلال الشعارات، بل يتطلب الأمر توفير غطاء سياسي وأخلاقي يمنحها حق الحياة الكريمة، ويمنع تكرار الخيانات التاريخية التي تعرضت لها. ويشمل ذلك:
حماية التعليم باللغة الأم، والاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية، وتوفير آليات حماية ذاتية حقيقية، وتجريم سياسات الصهر الثقافي، وضمان الحقوق عبر تشريعات دستورية قانونية.
إنّ إعادة بناء الشرق الأوسط لا تمرّ عبر الغزوات أو هندسة خرائط فوقية، بل من خلال دمقرطة المجتمعات، وإيمانهم الراسخ بالحرية، ولا تتحقق هذه الكرامة إلّا بالاعتراف بشرعية مقاومات الشعوب المضطهدة، فالحياة في جوهرها مقاومة، كما قال القائد عبد الله أوجلان، “يُرغِمُ التاريخَ الكردَ على إنجازِ الثورةِ باسمِ البشريةِ مرةً أخرى، وفي نفسِ الرقعةِ الجغرافية، ويَدعوهم إلى إنشاءِ الحداثة الديمقراطية لِصونِ وجودِهم المجتمعيِّ وجعلهم أحراراً”.