صلاح الدين مسلم
يعيش الشرق الأوسط منذ قرن من الزمان في دوامة صراعات عنصرية إثنية طائفية لا تهدأ، صراعات خلقها النظام العالمي الغربي آنذاك أغلبها من العدم، وكان الكرد فيها غالباً ضحية رئيسية، لكنّهم لم يكونوا وحدهم الخاسرين في نهاية المطاف. إنّ الغل التركي والفارسي والعربي غير المبرر تجاه الكرد، في مقابل الغلّ الكردي أحياناً تجاه بعضهم البعض، لم يُفضِ سوى إلى تعميق الجراح، وتوفير بيئة خصبة لكل مشاريع التمزيق التي صاغها النظام العالمي المهيمن، الذي دأب على هندسة خرائط التقسيم كلما اقتضت مصالحه ذلك.
وإذا ما طرحنا السؤال: هل استفادت الدول المستحدثة في المنطقة (تركيا، إيران، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن….) من هذا القرن الطويل من الخرائط المفروضة والتوازنات الهشة؟ نجد إن الجواب يحمل في طياته مرارة مشتركة؛ فقد خسر الجميع بشكلٍ أو بآخر. لا تركيا ولا إيران ولا الدول العربية استطاعت أن تحقق الاستقرار المستدام، ولا نهضة تنموية شاملة تضعها في مصافِ الدول المتقدمة، وحده النظام العالمي خرج المستفيد الأكبر، حين دفع هذه الدول لتظل تُراوح في مستنقع العالم الذي دأبت على أن تُبقيه ثالثاً، محكومةً بصراعات داخلية واستهلاكات خارجية تؤجل نهوضها لعقودٍ متتالية.
لقد برهنت تجارب التاريخ الحديث أنّ المنطقة تمتلك طاقات كامنة؛ فتركيا عندما أُتيحت لها نافذة صغيرة من الاستقلالية الاقتصادية، راحت تُنافس أوروبا وتتحدّى روسيا، والعراق حين سنحت له فرصة وجيزة بعد الاستقلال، تحوّل بسرعةٍ إلى قوة عسكرية واقتصادية مُرشحة لقيادة الشرق، وإيران زمن الشاه كادت تصبح قوة إقليمية تهدد حتى التوازنات الأميركية والأوروبية، وبات لبنان يُعرف بـ “باريس الشرق” في لحظات من تاريخه.
وسط هذه الصورة المركبة، يبرز الشعب الكردي بوصفه الحلقة الأكثر تعرضاً للصهر والفتك والإبادة، لكنّه خرج من قمقمه يطرح اليوم مشاريع بديلة تُعدُّ المدخل لإنقاذ الشرق بأسره من متاهات الصراعات الأزلية؛ مشاريع سياسية وفكرية قائمة على مفاهيم التعايش، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، والاعتراف المتبادل بالحقوق، وتقدّم حلولاً عملية لواحدة من أعقد أزمات المنطقة: القضيّة الكردية.
لا يكمن الحلّ في استمرار مسلسل الاتهام والغل المتبادل، بل في التكاتف العاقل بين القوى الكردية المختلفة، أوجلانيين كانوا أم برزانيين أم طالبانيين أو حتى التيارات القومية واليسارية الأخرى، بل في التفاهم والتعايش مع الشركاء الآخرين في المنطقة من الأتراك والعرب والفرس، وحدها الحلول التوافقية تستطيع أن تخلق سلاماً دائماً، وأن تطمئن النظام العالمي ذاته بأنّ الشرق لم يعد مصدر تهديد، بل شريك استقرار.
فالمجتمعات المتماسكة، وإن تنوّعت مشاربها، قادرة على أن تُقدِّم التنازلات من أجل مستقبل أجيالها، بعكس الطغاة الذين لا يرون في السلطة سوى عرش يجب الحفاظ عليه بأي ثمن، وحين تطوى صفحات المؤامرات والفخاخ التي سقطت فيها شعوب المنطقة، يمكن حينها بناء شرق أوسط جديد، عادل، متعدد، متصالح مع ذاته ومع العالم، خارج حسابات الصراعات الدولية وألاعيب القوى الكبرى.




