روناهي/ الرقة – الحرف اليدوية يجتمع فيها الإبداع والمهارة، فتظهر قصص نجاح تلهم الأفراد، وخاصة النساء اللواتي يسعين إلى تحقيق أحلامهن رغم التحديات. واحدة من هذه القصص الملهمة هي قصة “فاطمة العبيد”، المرأة الأربعينية التي بدأت حياتها المهنية بصناعة باقات الورد من منزلها الصغير في مدينة حمص، قبل أن تنتقل إلى الرقة بعد تحريرها، وتعيد تأسيس مشروعها في ظروف جديدة لم تخل من التحديات.
وعلى مدار سنوات، لم يكن طريقها سهلاً، لكنها تمكنت بفضل إصرارها من إتقان الفن اليدوي من تحويل حلمها إلى حقيقة، لتصبح اليوم واحدة من أبرز الحرفيات في الرقة، حيث يرتاد الزبائن محلها بحثاً عن الجمال والتميز في كل قطعة تصنعها.
من منزل صغير إلى حلم كبير
ونشأت فاطمة في بيئة تشجع الفن اليدوي، حيث كانت والدتها تهتم بتزيين المنازل بالأعمال الحرفية، الأمر الذي بث فيها حب التصميم والإبداع منذ الصغر. ومع مرور الوقت، بدأت تجربتها الخاصة في تنسيق الأزهار وصناعة المشغولات اليدوية، مستفيدة من مواد بسيطة ومتوفرة، لكنها كانت تركز على إضفاء طابع فريد لكل قطعة تصنعها.
وتروي فاطمة بداياتها: “في البداية، كنت أصنع باقات الورد هواية، وأهديها للأصدقاء والعائلة، حتى بدأت ألاحظ إعجاب الناس بها. حينها أدركت أنني أمتلك مهارة يمكن أن تتحول إلى مشروع حقيقي”.
وكانت البداية بسيطة، حيث خصصت ركناً صغيراً في منزلها بحمص للعمل على تنسيق الأزهار، وصناعة المشغولات اليدوية، لكنها سرعان ما قررت توسيع نطاق عملها عبر الإنترنت، حيث بدأت تعرض أعمالها عبر وسائل التواصل الافتراضي؛ ما ساعدها في الوصول إلى عدد أكبر من الزبائن.
الانتقال إلى الرقة.. تحديات وفرص جديدة
وبعد تحرير مدينة الرقة، قررت فاطمة الانتقال إليها بحثاً عن فرصة جديدة لتطوير مشروعها. ورغم المخاوف التي كانت تراودها بشأن تأسيس مشروعها في مدينة جديدة، لم تتردد في اتخاذ هذه الخطوة، معتبرةً أن النجاح يحتاج إلى الجرأة والمغامرة.
تقول فاطمة عن تلك الفترة: “كان لي الانتقال إلى الرقة قراراً مصيرياً، كنت أخشى أن أفقد زبائني الذين اعتادوا على أعمالي في حمص، لكنني كنت واثقة بأن الإبداع لا يعرف الحدود”.
وفي البداية، واجهت تحديات عديدة، أبرزها بناء قاعدة زبائن جديدة والتأقلم مع بيئة مختلفة. لكنها استطاعت أن تتكيف مع الوضع سريعاً، حيث بدأت بعرض أعمالها في الأسواق المحلية، ولاقت منتجاتها إعجاباً كبيراً بسبب تصاميمها الفريدة. ومع مرور الوقت، افتتحت محلاً صغيراً في الرقة، وتحول تدريجياً إلى مركز جذب لمحبي الحرف اليدوية.
النجاح والتوسع في المشروع
وبعد سنوات من العمل الجاد، أصبح محل فاطمة وجهة رئيسية لعشاق الزهور والمشغولات اليدوية، حيث تقدم فيه باقات ورد مصممة بعناية، إلى جانب مجموعة متنوعة من المنتجات اليدوية التي تحمل طابعاً خاصاً. ولم يكن النجاح مجرد نمو في حجم المشروع، بل امتد ليشمل التأثير الاجتماعي، حيث أصبحت مصدر إلهام للعديد من النساء اللواتي يرغبن في دخول مجال الحرف اليدوية.
وتابعت فاطمة: “أكثر ما يسعدني هو رؤية نساء أخريات يبدأن مشاريعهن الخاصة، ويحققن النجاح. أردت أن أكون مثالاً على أن أي فكرة بسيطة يمكن أن تتحول إلى مشروع ناجح إذا امتلكنا الإصرار والشغف”.
إلى جانب نجاحها التجاري، تعمل فاطمة حالياً على تنظيم ورش تدريبية لتعليم النساء والفتيات فن تنسيق الأزهار وصناعة المشغولات اليدوية، حيث تهدف إلى دعم المرأة وتشجيعها على دخول هذا المجال. كما تخطط لتوسيع نطاق عملها عبر تقديم تصاميم جديدة تحمل لمسات أكثر حداثة، وتطوير منتجات قابلة للتسويق الإلكتروني لتصل إلى مناطق أبعد.
وبالنظر إلى نجاحها الحالي، تطمح فاطمة إلى توسيع نطاق عملها ليشمل تدريب المزيد من النساء وتطوير منتجات تحمل بصمة إبداعية متجددة. كما تفكر في فتح فرع جديد لمحلها، بحيث يصبح مركزاً متخصصاً للأعمال اليدوية، يجمع بين البيع والتدريب.
وتؤكد فاطمة: “أؤمن أن النجاح ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لفرص جديدة. أطمح لأن يصبح مشروعي علامة مميزة في عالم الحرف اليدوية، وأن أساهم في نشر هذا الفن بين الأجيال القادمة”.
قصة فاطمة العبيد ليست مجرد حكاية نجاح، بل دليل على قوة الإرادة والقدرة على التأقلم مع الظروف مهما كانت صعبة. من منزلها الصغير في حمص إلى محلها المزدهر في الرقة، أثبتت أن الأحلام يمكن أن تتحقق بالإصرار والعمل الجاد، وأن الفن اليدوي ليس مجرد حرفة، بل هو وسيلة للتعبير عن الذات وإيصال رسالة من الأمل والإبداع لكل من يراها.
وهكذا، أصبحت فاطمة نموذجاً يحتذى به للمرأة السورية القادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، وعلى بناء مستقبلها بإبداعها، لتترك بصمة لا تنسى في عالم الحرف اليدوية.




