قامشلو/ ملاك علي – في سياق الحوار المستمر لمستقبل سوريا، تبرز آراء العديد من النساء السوريات اللواتي قدّمن رؤى شجاعة حول ضرورة بناء دولة لا مركزية تضمن العدالة والمساواة، وتؤسس واقعاً جديداً تُحترم فيه حقوق الجميع، وقد عبّرت مجمل الآراء النسوية عن وعي عميق بدور المرأة، وعنصر أساسي في عمليات التغيير السياسي والاجتماعي.
تظهر في الإعلان الدستوري ملامح إغفال شبه تام مبدأ المساواة بين الجنسين، حيث لم يتم النص بوضوح على ضمان تمثيل النساء في مراكز اتخاذ القرار، ولا على التزامات الدولة بحماية حقوق المرأة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، كما غابت فيه أي إشارة حقيقية إلى الآليات التي تضمن منع التمييز القائم على النوع الاجتماعي؛ ما دفع كثيرات إلى التشديد على أن قبول هذا النص، بأي شكل من الأشكال، يعني إعادة الشرعنة لنظام لا يعترف بوجود المرأة مواطنة كاملة الحقوق.
وترى العديد من النساء، أنّ سوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى على أساس وثيقة لا تعترف صراحة بحقوق نصف المجتمع، بل أن أي مشروع دستوري لا يضع قضية المرأة في جوهره، يعدُّ مشروعاً ناقصاً، ولا يمكن القبول به تحت أي ظرف أو ضغط سياسي. وبناءً عليه، أكدت النسوة أن نضال المرأة السورية لن يتوقف عند حدود المطالبة، بل يتواصل من أجل فرض رؤية بديلة، تضمن العدالة والمساواة في دولة لا مركزية، قائمة على التعددية والحقوق المتساوية للمواطنين والمواطنات.
دستور لا يعكس تطلعات السوريين
وبهذا الصدد، أعربت الرئيسة المشتركة للمجلس الدبلوماسي في إقليم شمال وشرق سوريا “نورشان حسين”، عن رفضها الإعلان الدستوري الصادر عن سلطة دمشق: “فهو لا يمثل تطلعات ورؤى الشعب السوري، ويتناقض بشكل كبير مع الاتفاق الذي جرى بين رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، بتاريخ العاشر من آذار”.
وأكدت نورشان، إن الإعلان الدستوري تم إعداده من حكومة جديدة، ما يعكس توجهاً أحادياً في صياغته، وأن محتواه لا يحتوي على الحقوق والحريات المطلوبة، ولا يرتقي إلى مستوى تضحيات الثورة السورية بشكل عام، وأضافت: ” الدستور لا يضمن مشاركة شعوب سوريا، ولا المرأة، بل يمنح السلطة المطلقة لرئيس سلطة دمشق، ويعتمد رؤية “إسلامية شرعية” لا تعبّر عن فسيفساء المجتمع السوري المتعدد”.
كما وشددت على ضرورة إعادة النظر في هذا الإعلان، داعية إلى تشكيل لجنة دستورية جديدة تضم ممثلين عن الشعوب وأديان وأطياف الشعب السوري، على أن تكون مشاركة المرأة فيها فعّالة وأساسية، بما يتوافق مع الاتفاقات السابقة، وخاصة الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، ومع الوعود التي أطلقتها سلطة دمشق داخلياً وخارجياً.
تجربة نساء إقليم شمال وشرق سوريا نموذج لسوريا المستقبل
وفي حديثها عن دور المرأة، قالت نورشان: “إن المرأة السورية، لا سيما في إقليم شمال وشرق سوريا، قدّمت تضحيات كبيرة، وحققت مستويات متقدمة من الوعي والتنظيم، وأصبحت، بقيادة المرأة الكردية، مصدر إلهام للحركات الثورية، والتقدمية حول العالم، وشاركت في مختلف ميادين الحياة، من السياسية إلى الدبلوماسية، والعسكرية، والاقتصادية، وأثبتت قدرتها على قيادة المجتمع”.
وأشارت إلى أن ضمان بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، يتطلب تمثيلاً فعّالاً للمرأة بنسبة لا تقل عن 50% في الإعلان الدستوري والبرلمان واللجان كافة، وأن أي تهميش لهذا الدور يعني تجاهلاً حجم التضحيات، التي قدمتها المرأة السورية، ودعت إلى سن قوانين تضمن مشاركة المرأة بشكل ملزم في الهيئات الدستورية، والتشريعية، والتنفيذية.
وركزت نورشان على: “ضرورة توحيد جهود المرأة السورية ومن الشعوب كافة؛ لمواجهة العنف والإقصاء، الذي عانت منه المرأة عقوداً طويلة في ظل النظام البعثي والحكم السلطوي”.
وأشادت بتجربة المرأة في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تمكنت من تأسيس نموذج ريادي للمشاركة السياسية والمجتمعية، على عكس المناطق الخاضعة لسيطرة سلطة دمشق أو المناطق المحتلة من قبل المحتل التركي ومرتزقته، فبقيت المرأة عرضة للعنف والتهميش: “إنّ المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا باتت تمتلك تجربة يمكن البناء عليها على مستوى سوريا بأكملها، ومن الجدير الإشارة إلى تزايد الحراك النسوي في البلاد، خاصة في مناطق الساحل، وجنوب سوريا”.
واختتمت الرئيسة المشتركة للمجلس الدبلوماسي في إقليم شمال وشرق سوريا “نورشان حسين” حديثها، بالتأكيد على أن الشعب السوري لا يزال يعيش تحت وطأة سياسات الهيمنة الإقليمية والدولية، ويعاني من هشاشة النظام، وأنّ مفهوم “حرب الشعب الثورية” يجب أن يُفهم باعتباره نضالاً جماعياً شاملاً لمناهضة سياسات الإقصاء، والطائفية، والعنصرية: “إن الثورة السورية لم تنتهِ، بل هي ثورة ذهنية يجب أن تبقى مشتعلة حتى الوصول إلى سوريا ديمقراطية تعددية، تضمن حقوق وحريات الجميع، وأن المرأة يجب أن تكون في طليعة هذا النضال الفكري والسياسي”.
ضمان حقوق المرأة أساس بناء مجتمع ديمقراطي
ومن جهتها، أكدت الرئيسة المشتركة لحزب التغيير الديمقراطي الكردستاني “مزكين زيدان”، أن الإعلان الدستوري الصادر مؤخراً، لا يعكس تطلعات ومصالح الشعب السوري: “إن سوريا بلد متعدد الأعراق والطوائف، ويشبه لوحة فسيفسائية غنية بتنوعها، ما يستدعي صياغة دستور جديد يضمن مشاركة الفئات والشعوب المجتمعية في بناء سوريا المستقبل”.
وأصرت مزكين على أهمية أن يتمتع كل شعب في سوريا بمكانته وحقه في المشاركة السياسية، والاجتماعية، ليكون جزءاً فعّالاً من سوريا الجديدة، داعية إلى مقاربة شاملة في إعداد الدستور تأخذ بعين الاعتبار هذا التنوع.
وفي سياق حديثها عن دور المرأة، سلطت مزكين الضوء على تجربة النساء في إقليم شمال وشرق سوريا: “إن المرأة هناك أثبتت نفسها في مختلف المجالات، بدءاً من مشاركتها في وحدات حماية المرأة (YPJ) مروراً بانخراطها في الأحزاب السياسية، والمنظمات المدنية والمجتمعية، وانتهاءً بتأثيرها الواضح في المشهد السياسي والإداري في المنطقة”.
وزادت: “إن المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا لم تثبت جدارتها داخل المجتمع المحلي فحسب، بل أصبحت نموذجاً يُحتذى به، نظراً لنجاحها في تجاوز التحديات وفرض حضورها في الميادين”.
وأكملت مزكين: “إن الأحزاب المنضوية تحت مجلس المرأة السورية، تعمل على توسيع نطاق التجربة النسوية، التي بدأت في إقليم شمال وشرق سوريا، وتسعى للوصول إلى النساء في الداخل السوري بفتح مراكز للمجلس في مختلف المحافظات، وتهدف هذه الخطوة إلى مشاركة النساء في صياغة مستقبل سوريا، ونقل تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي أسست دستوراً وقوانين خاصة تضمن حقوق المرأة”.
واختتمت الرئيسة المشتركة لحزب التغيير الديمقراطي الكردستاني “مزكين زيدان” حديثها، بالتأكيد على ضرورة ترسيخ حقوق المرأة في الدستور السوري الجديد، بما ينسجم مع ما تحقق في مناطق الإدارة
الذاتية الديمقراطية، وضرورة تعميم هذه التجربة لتشمل كامل الأراضي السورية، لأنها خطوة أساسية نحو بناء مجتمع ديمقراطي، عادل، وتعددي يضمن المساواة للجميع.




