عبد القادر حني
إنه يوم مفصلي في الحياة السياسية للحركة الكردية في روج آفا، يوم اجتمعت فيه الحركة السياسية الكردية تحت سقف واحد، للتوصل إلى إيجاد رؤية سياسية كردية مشتركة حول حقوق الشعب الكردي وتثبيتها في الدستور السوري الجديد. الشعب الكردي الذي عانى الويلات والاضطهاد والتشرد على يد الأنظمة البائدة، يفتخر اليوم بانعقاد هذا الكونفرانس أينما كان، لأن وحدة الصف الكردي كانت أمنية الجميع حتى إنها أمنية أي طفل كردي في مهده.
لقد عانى كل الشعب السوري من الأنظمة القمعية، ولكن بالنسبة للشعب الكردي كثاني أكبر قومية في البلاد فقد مورست بحقه أكثر السياسات العنصرية والشوفينية من قبل الأنظمة المتعاقبة ومنها النظام البائد ( نظام البعث)، ولا يجب أن تتكرر تلك السياسات في ظل أي نظام جديد في دمشق، فالقضية الكردية ليست قضية احتلال وإنما قضية خرائط رسمتها القوى الدولية إبّان الحرب العالمية الأولى واتفاقياتهم على تشتيت الشعوب وفقاً لمصالحهم كاتفاقية سايكس بيكو ولوزان ولا بد من تصحيح هذا الإجحاف بحقه.
ففي عام 1920 وبموجب معاهدة سيفر، اعترفت عصبة الأمم المؤلفة من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا بحدود كردستان، غير أن نجاح ثورة أكتوبر في روسيا والتي أعلنت انسحابها من اتفاقية تقاسم المنطقة، والتي عُرفت بسايكس بيكو بعد انسحاب الممثل الروسي منها، والخشية من تمددها دفع بريطانيا إلى دعم كمال أتاتورك 1920 لهدفين أساسيين:
ـ إنشاء دولة قوية متاخمة لروسيا لوقف المد الشيوعي.
ـ تقليص حدود الدولة التركية الناشئة والحصول على الموصل الغنية بالنفط.
الشعب الكردي ليس شعباً دخيلاً على المنطقة وإنما هو من أقدم الشعوب الموجودة على أرضه التاريخية كردستان، غير أنه أصبح ضحية للاتفاقات الدولية التي حرمته من امتلاك سيادته على أرضه التي قُسمت بين دول ناشئة في الشرق الأوسط إثر اتفاقية لوزان 1923 كتركيا وسوريا والعراق، هذه الدول الناشئة إلى جانب إيران مارست كل أشكال الصهر القومي بحق الشعب الكردي، لتعريبه وتتريكه وتفريسه، وكان للإسلام السياسي دور كبير في الصهر القومي للكرد ضمن هذه الدول التي استغلت الإسلام لأجنداتها القومية على حساب الشعب الكردي، فالقضية الكردية هي قضية دولية بامتياز، حيث تم تشتيته وفقاً لرغبة القوى الدولية ومصالحها.
الشعب الكردي لم يستكِن للصمت تجاه إنكار حقوقه القومية ولم يقبل بتلك الاتفاقات الاستعمارية وخاض نضالاً مريراً ودموياً في كل جزء من أجزاء كردستان الأربعة ضد أنظمة تلك الدول الناشئة التي تقاسمت كردستان، فلم يكن أمام الكرد سوى المقاومة، وكمن يحفر في الصخر بإبرة، واجه الكرد أنظمة الدول الغاصبة مدركين أن لا صديق لهم سوى الجبال، نتيجة لضخامة المؤامرة الدولية عليهم ودعم القوى الدولية للدول التي اصطنعوها. وبالعودة لسوريا، ففي 2004 ونتيجة للسياسات الشوفينية تجاه الشعب الكردي ومحاولات جره إلى الإبادة، قام الكرد بانتفاضة عارمة، سُميت بانتفاضة قامشلو وتم تحطيم تمثال الرئيس السوري حينها حافظ الأسد في مدينة عامودا، ليتم بذلك تحطيم جدار الخوف الذي كان يخشاه الشعب السوري عامةً قبل ذلك، وبذلك تحولت انتفاضة قامشلو 2004 إلى أساس لقيام ما سُميت بالثورة السوريّة في 2011، حيث عمّت المظاهرات عموم المحافظات السوريّة وصدحت حناجر السوريين بشعار “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، لترد المناطق الكردية في روج آفا “يا درعا، (حيث بدأت الاحتجاجات) نحن معاكِ للموت”، ونتيجة لتطورات الأحداث أجبر النظام على الخروج من المناطق الكردية ولم يبقَ له سوى مربعين أمنيين في قامشلو والحسكة، حيث قام الكرد بتشكيل وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ومن ثم تشكيلات من الشعوب الأخرى كالعرب والسريان والتركمان والآشوريين والأرمن لحماية المنطقة والذين عُرفوا فيما بعد بقوات سوريا الديمقراطية ، لمحاربة تنظيم داعش في شمال وشرق سوريا، بعد أن تم دحره في كوباني في 2014 وبدعم من القوى الدولية تحت مظلة التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق، حيث تلاقت المصالح الدولية مع قوات سوريا الديمقراطية، ليتم فيما بعد دحر داعش عسكرياً في آخر معاقله في الباغوز، حيث استشهد من قوات سوريا الديمقراطية أكثر من 13000 شهيداً.
يحظى الكرد اليوم بدعمٍ دولي قوي وخاصةً من قبل فرنسا التي تشعر بأنها سبب تقسيم كردستان وحرمان الشعب الكردي من حقوقه، إلى جانب تلاقي المصالح، ففي السياسة ليس هناك أعداء دائمين ولا أصدقاء دائمين بل مصالح دائمة، واليوم يجد التحالف الدولي ومن ضمنها فرنسا مصالحهم مع قوات سوريا الديمقراطية التي حاربت داعش وخطورته على العالم نيابةً عن العالم.
اليوم وبعد سقوط نظام الأسد فإنه يقع على عاتق الحكومة المؤقتة في دمشق جعل سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية تؤمن حقوق كافة الشعوب بأديانهم وأعراقهم المتعددة بعد عهود من القمع والاضطهاد والتشريد، والشعب الكردي هو من أكثر الشعوب التواقة للحرية والتعايش السلمي مع أطياف الشعب السوري ولا بد من تأمين حقوقه القومية، فذلك يخدم وحدة البلاد وتطورها بعيداً عن التقسيم والتشرذم، ولكن ضمن سوريا اتحادية لامركزية.
في 26-4-2025 حدد الكرد مطالبهم التي يجب أن تُثبت في الدستور السوري الجديد، إلى جانب تأكيدهم على ضمان حقوق كافة الشعوب لينعم الشعب السوري عامةً بالحرية والكرامة بعد أكثر من اثني عشر عاماً من القهر والويلات والدماء، الكرد يدعون إلى التكاتف بين كل أبناء الشعب السوري لبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.
بعد 26-4-2025 أصبح كل كردي في سوريا وشمال وشرق سوريا، حتى أولئك الكرد الذين تعرضوا للتعريب في مراكز المدن السوريّة، باتوا يفتخرون بكرديتهم وانتماءهم القومي، كون الكرد أثبتوا للعالم والسوريين بأنهم أكثر من يتوقون للحرية والديمقراطية والتسامح والعيش المشترك مع كل أطياف الشعب السوري. الكونفرانس الكردي أصبح نواة لعقد مؤتمر وطني كردستاني، هكذا كلنا أمل بأنه سيدفع بالقضية الكردية إلى الأمام، فما هو المطلوب من الكرد وسط كل هذه التغييرات في الشرق الأوسط ومعطياتها.
ـ عقد مؤتمر وطني كردستاني تنبثق عنه لجان ومنها:
ـ لجنة عسكرية مشتركة للدفاع عن كردستان.
ـ لجنة سياسية تناضل من أجل حقوق شعب كردستان والتعايش مع شعوب المنطقة بسلام، وفق سياسة موضوعية تُدرك حقيقة ارتباط مصيرنا مع شعوب المنطقة، وليس مع أنظمتها.
ورغم كل شيء لا يسعنا ألا أن نشكر كل من ساهم وقام ورتب ودعم انعقاد هذا الكونفرانس التاريخي، شعباً وأحزاب وشخصيات وطنية، وكل القوى الكردستانية التي ساندت الكونفرانس.
وفي الختام على كل الأحزاب والقوى السياسية إدراك إن الكردايتي هي فوق كل المصالح الشخصية والحزبية الضيقة ويجب الابتعاد وسد الطريق أمام كل من تسول له نفسه ضرب وحدة صف الشعب الكردي ووحدة مواقف حركته السياسية.




