روناهي/ الرقة ـ بين أزقة الرقة التي لطالما حملت في ذاكرتها فصولا دامية من الحرب، علا صوت الكلمة مساء الجمعة 12 أيار الجاري ليعلن بداية جديدة كتبت بالحبر والأمل. تحت شعار “حبر سوري لأجل السلام”، افتتحت هيئة الثقافة والآثار في مقاطعة الرقة مهرجان الأدب الأول، وسط حضور رسمي وثقافي مميز من مختلف مناطق سوريا. ثلاثة أيام من الشعر، والسرد، والمسرح، والموسيقى، جمعت مثقفين من شتى المشارب على أرض تسعى لإعادة تشكيل هويتها الثقافية بعد سنوات من الغياب.
شهد حفل الافتتاح، الذي أقيم مساء 24 أيار الجاري، حضور الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في إقليم شمال وشرق سوريا، والرئاسة المشتركة لمقاطعة الرقة، إلى جانب شخصيات أدبية وفكرية من شمال وشرق سوريا ومن الداخل السوري. ابتدأ الحفل بكلمات رسمية من هيئة الثقافة واللجنة التحضيرية، ثم عرض سنفزيون وثق مشاريع الهيئة، أعقبه سكيتش مسرحي يحاكي مقاومة الثقافة في وجه التحديات، واختتم بعرض شعبي من فرقة الفنون التابعة للمركز الثقافي في الرقة.
في اليوم الأول من المهرجان، تم افتتاح معرض الكتاب الذي يستمر طيلة أيام الحدث، ويضم إصدارات دور نشر محلية ومجموعات أدبية من نتاج كتاب المنطقة، كما تخلل اليوم عرض مسرحي يحمل رسالة سلام، وأداء موسيقي بعنوان “زينو سوريا”، بالإضافة إلى مشاركات شعرية وقصصية. أما اليوم الثاني فسيشهد عرض سنفزيون تكريمي لأحد الشخصيات من قامات الرقة، وفقرة موسيقية تراثية تمزج بين الروح العربية والكردية، إلى جانب أمسيات أدبية. ويختتم المهرجان في يومه الثالث بتكريم المشاركين، إلى جانب تكريم شخصيتين من رموز الرقة الثقافية.
المهرجان منصة سلام وجسر بين المثقفين
وبهذا الصدد؛ قالت سوسن خليل، عضوة اللجنة التحضيرية للمهرجان؛ إن شعار المهرجان ليس مجرد عبارة شاعرية، بل يحمل بعدا واقعيا يعكس حاجة المجتمع السوري لمناخ من السلام والتواصل الثقافي، مضيفة: “اختيار “حبر سوري لأجل السلام” لم يكن عبثيا، نحن نؤمن بأن الثقافة هي السبيل الحقيقي لبناء جسور التلاقي بين أبناء سوريا”.
وتابعت: “هذا المهرجان لا يقتصر على الرقة، بل شهد مشاركات من مناطق متعددة داخل سوريا، وهو ما يعكس طموحنا في تحويل هذه الفعالية إلى تقليد وطني شامل”. وأكدت أن اللجنة تلقت مشاركات أدبية تحمل في مضمونها رؤى عميقة عن معنى السلام في الواقع السوري، منها نصوص تتناول المصالحة، وأخرى تعيد تخيل الحياة بعد الحرب.
أما عن مدى الاستمرارية، فأوضحت سوسن: “نسعى لأن يكون هذا المهرجان نواة لمهرجانات أدبية سنوية، وربما تقام نسخ مماثلة منه في مناطق أخرى من شمال وشرق سوريا، أو حتى خارجه. ما نطمح إليه هو خلق حالة ثقافية جامعة تتجاوز الجغرافيا والانقسامات”.
واختتمت حديثها: “الرقة، التي طالما ارتبط اسمها بالخراب، تعيد اليوم تقديم نفسها كمركز إشعاع أدبي، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بدعم المثقفين من كل المناطق وتكاتف الجهود لإحياء الوعي الثقافي”.
مهرجان بحجم الطموح الثقافي السوري
مهرجان الأدب الأول في الرقة ليس مجرد فعالية محلية؛ بل يمثل باكورة مشروع ثقافي أشمل تسعى هيئة الثقافة والآثار لتحقيقه. بمشاركة أكثر من 50 أديبا وكاتبا من شتى أنحاء البلاد، حمل المهرجان أبعادا رمزية تتجاوز مكانه وزمانه، مؤكدة على أن الكلمة ما تزال قادرة على جمع السوريين رغم تشظي البلاد.
برنامج المهرجان صمم ليعكس التنوع السوري، ليس فقط من حيث المشاركين، بل من حيث الفقرات الثقافية والموسيقية التي جمعت بين التراث العربي والكردي، وبين اللغة الفصحى واللهجات المحلية. ومعرض الكتاب الذي يقام على هامش المهرجان يشكل بدوره مساحة حيوية للاطلاع على الإنتاج المحلي.
كما يلاحظ الحضور اللافت لمبدعين من خارج مناطق شمال وشرق سوريا، وهو ما يثبت أن المهرجان استقطب طاقات وطنية من مختلف الخلفيات. وينتظر أن تفتح هذه المشاركة الأفق أمام تنظيم مهرجانات مماثلة في مناطق أخرى، أو على الأقل توسيع نطاقها في الدورات المقبلة.
يبقى التحدي الأهم اليوم، كما يراه القائمون على المهرجان، هو ضمان استمرارية هذا النشاط الثقافي، وتعزيز حضوره في الوعي المجتمعي كمصدر للتلاقي والتعبير الإبداعي. فبعد سنوات الحرب، آن للكلمة أن تستعيد مكانها الطبيعي كأداة للشفاء والبناء.





