ناصر ناصرو (الرئيس المشترك لمجلس شباب سوريا الديمقراطية)
لطالما كان الشباب في سوريا هم قوة التغيير والتحرك في مختلف مراحل التاريخ الحديث، منذ انتفاضة 2004 في قامشلو، التي شكلت شرارة انطلاق الوعي القومي والثقافي لدى الشبيبة، إلى الثورة السورية عام 2011 التي شملت شرارتها أرجاء البلاد، مروراً بثورة 19 تموز 2012 في روج آفا التي انتشرت لتشمل إقليم شمال وشرق سوريا، فكانت الشبيبة على الدوام في مقدمة الحراك الوطني والاجتماعي.
هذه الثورات لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل تعبيراً عن رغبة أجيال كاملة في بناء واقع جديد يعترف بحقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية، ويفتح المجال لمشاركتهم الفاعلة في صنع القرار وإعادة تشكيل المجتمع على أسس التعددية والديمقراطية.
جيل النهوض.. الشبيبة الكرد ودور الطلاب في بناء المستقبل
واجه الشبيبة الكرد، وخصوصاً الطلاب، تحديات كبيرة على مدار العقود الماضية، من محاولات القمع الثقافي واللغوي إلى الحصار الاقتصادي والاجتماعي، ومع انطلاقة ثورة 19 تموز 2012، وجد الشباب والطلاب أنفسهم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساتهم التعليمية والثقافية التي تعزز هويتهم، مع المشاركة الفاعلة في المؤسسات المحلية التي تعتمد على مبدأ الإدارة الذاتية القائمة على التعددية واللامركزية والتشاركية.
وخلال هذه المرحلة، شهدت المدارس والجامعات إنشاء برامج تعليمية جديدة تدعم اللغة الكردية والتاريخ الثقافي، ما أتاح للطلاب فرصة إعادة التواصل مع تراثهم وتطوير قدراتهم الفكرية في بيئة أكثر حرية.
دور الشبيبة السورية في بناء المجتمع ودعم الديمقراطية
الشباب في سوريا اليوم ليسوا فقط مستقبل البلاد، بل هم الحاضر الفاعل الذي يبني ويشكل مسارات التغيير الاجتماعي والسياسي. في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا، فبرزت مبادرات شبابية متعددة تسعى إلى تعزيز قيم التعددية، الديمقراطية، وحقوق الإنسان.
وفي إقليم شمال وشرق سوريا، خاصةً، لعب الشباب دوراً محورياً في تأسيس ودعم مؤسسات الإدارة الذاتية التي تعتمد مبدأ التشاركية واللامركزية، ما أتاح لهم فرصة فريدة للمشاركة الفاعلة في صنع القرار وتحقيق مصالح مجتمعاتهم بشكل مباشر.
وإلى جانب ذلك، أُسِّست عدة منظمات وشبكات شبابية تهدف إلى تمكين الشباب من خلال التعليم، التدريب، والعمل المجتمعي، ومن أبرزها “مجلس شباب سوريا الديمقراطية، اتحاد شبيبة روج آفا، حركة الشبيبة العربية في الشهباء، اتحاد المرأة الشابة السورية”، بالإضافة إلى اتحاد الشبيبة السريانية التقدمية وحركة الشباب الأرمني الديمقراطي، هذه التنظيمات تمثل طيفاً واسعاً من المكونات القومية والدينية في سوريا، وتعمل على تعزيز التفاهم والتعاون بين مختلف الشباب.
ولم تقتصر هذه المبادرات على النشاط السياسي فقط، بل شملت أيضاً المشاريع الثقافية، البيئية، والتربوية، التي عززت الروح المجتمعية ووفرت مساحات آمنة للتعبير عن الذات والتعاون المشترك.
المرأة الشابة.. قيادة وتمكين في جيل النهوض السوري
ويعد اتحاد المرأة الشابة السورية، أحد أهم التنظيمات الشبابية التي لعبت دوراً بارزاً في تعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية داخل سوريا، وبالأخص في إقليم شمال وشرق البلاد، ولا يقتصر دور هذا الاتحاد على دعم النساء فقط، بل هو قوة دافعة لتعزيز قيم المساواة والعدالة الاجتماعية بين جميع فئات الشباب.
ومن خلال برامج التوعية، التدريب، والمبادرات المجتمعية، يعمل الاتحاد على تمكين الفتيات والنساء الشابات من اكتساب المهارات القيادية والسياسية، وتشجيعهن على الانخراط الفاعل في المؤسسات المدنية والسياسية، وتساهم هذه المشاركة بشكل كبير في تعزيز التعددية والتشاركية داخل المجتمعات، وتشكيل نموذج متقدم للمساواة الحقيقية.
بالإضافة إلى ذلك، يولي الاتحاد اهتماماً خاصاً للقضايا المتعلقة بحقوق المرأة، مكافحة العنف والتمييز، وتعزيز الثقافة الديمقراطية التي تضمن احترام حقوق الجميع. كما يحرص على خلق فضاءات آمنة ومفتوحة للشباب للتعبير عن آرائهم والمشاركة في صنع القرار. ويتجاوز دور اتحاد المرأة الشابة السورية حدود العمل المحلي، حيث ينسق مع شبكات ومؤسسات دولية لتعزيز خبرات النساء الشابات ودعمهن في مواجهة التحديات المشتركة، مما يعزز من قوة وتأثير الحراك الشبابي النسائي داخل سوريا وخارجها.
وباختصار، يمثل اتحاد المرأة الشابة السورية مثالاً حياً على كيف يمكن للشباب، وبالأخص النساء، أن يكونوا طليعة التغيير والبناء نحو مجتمع أكثر عدالة وديمقراطية.
الشبيبة السورية ركيزة بناء المستقبل الديمقراطي
ويبقى الشباب في سوريا، بكل تنوعهم القومي والديني والثقافي، المحرك الأساسي لكل تحولات المجتمع ومستقبله. لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الشباب ليسوا مجرد مستقبل ينتظر، بل هم الحاضر الذي يبني ويشكل واقع بلاده بكل شجاعة وإصرار، رغم كل التحديات والضغوطات.
وتاريخ سوريا الحديث مليء بأحداث جسدت دور الشباب في النضال من أجل الحرية والكرامة، من انتفاضة 2004 في قامشلو التي أثارت شرارة الوعي القومي والثقافي، مروراً بثورة 2011 “الثورة السورية” التي فتحت آفاقاً واسعة للتحرر السياسي والاجتماعي، ووصولاً إلى ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا التي أظهرت مدى قدرة الشباب على التأثير في مسارات التغيير وبناء نموذج إداري ذاتي قائم على التعددية والتشاركية.
ولم تكن هذه الثورات مجرد حركات احتجاجية، بل تجسيداً لرغبة جيل كامل في خلق واقع جديد يضمن الحرية والعدالة، ويفتح الباب أمام مشاركة شاملة لكل مكونات الشعب، الشباب السوري، الذين كانوا في طليعة هذه الحركات، مستفيدين من هذه الثورات لتأسيس مؤسسات تعليمية، ثقافية، وسياسية تدعم لغتهم وهويتهم، وتدفع نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي.
ورغم هذه الإنجازات، فإن الطريق أمام الشباب لا يزال محفوفاً بالتحديات الاقتصادية، الاجتماعية، والنفسية التي تهدد استقرارهم وقدرتهم على الإبداع والمشاركة الفاعلة. البطالة، نقص الخدمات التعليمية والصحية، التهديدات الأمنية، وضغوطات الحفاظ على الهوية الثقافية تشكل عقبات حقيقية يجب التعامل معها بجدية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية استمرار دعم الشباب وتمكينهم عبر سياسات تشاركية تركز على خلق فرص تعليمية وتدريبية، تطوير البنى التحتية، وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية. كما أن دعم المبادرات الشبابية، مثل مجلس شباب سوريا الديمقراطية، اتحاد المرأة الشابة السورية، والحركات الشبابية الوطنية، يضمن إشراك الشباب في عملية صنع القرار ويعزز من قدراتهم على قيادة التغيير.
فإن؛ التجربة السورية اليوم تثبت أن الشباب هم عماد أي مشروع ديمقراطي ناجح، وأن إشراكهم في مستويات الحياة السياسية والاجتماعية ليس خياراً بل ضرورة حتمية لبناء مستقبل مستقر وسلمي، من خلال دعمهم وتمكينهم، يمكن أن يتحولوا من ضحايا الحروب إلى بناة السلام والتنمية، ومصدر إلهام للأجيال القادمة.
وختاماً، لا يمكن لأي مستقبل ديمقراطي أو تنموي أن يتحقق في سوريا دون الاعتراف الكامل بدور الشباب وتمكينهم الحقيقي، لأنهم الطليعة التي ستقود سوريا نحو الحرية، العدالة، والمساواة، الشباب السوري، بكل تحدياته وآماله، يحمل في داخله بذور التغيير والنهوض، ويستحق أن تُمنح له كل فرص النجاح لبناء وطن يحترم الجميع ويضمن حقوق كل مواطنيه.




