نوري سعيد
في الثامن من كانون الأول ٢٠٢٤، عندما سقط النظام البعثي، نزل ملايين السوريين إلى الشوارع والساحات العامة فرحين يهتفون “ارفع رأسك فوق أنت سوري حر”، وكلهم أمل أن سوريا جديدة في طريقها للانبعاث بعد أن حولها النظام البائد لأكثر من نصف قرن إلى جحيم، والذي جعل السوريين يتفاءلون التصريحات التي كانت تصدر آنذاك من “مسؤولين وقادة” “سوريا ستكون لكل السوريين، وسوف تحصل الشعوب كافة على حقوقها المشروعة ، وسوف يُثبت ذلك في الدستور الجديد ” ولكن خيبة الأمل الأولى كانت مع عقد ما سُمي “مؤتمر الحوار الوطني” حيث أقصى الممثلين الحقيقيين للشعوب السورية والمتمثلة بالأحزاب السياسية، ولقد حدث الشيء ذاته في تشكيل اللجنة الدستورية، وتشكيل الوزارة ، وما زاد الطين بلة قيام السلطة الجديدة في دمشق بعملية إبادة للشعب العلوي بحجة محاربة فلول النظام، مع إن فلول النظام وأعوانهم غابوا عن الساحة بشكلٍ شبه كامل بمجرد سقوط النظام، وحدث الشيء نفسه للشعب الدرزي في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء بحجة ارتباطهم بإسرائيل مع أن قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش كان درزياً، ولقد تجمهر أبناء السويداء في ساحة الكرامة عدة شهور منددين بالنظام حتى سقط نتيجة تحالفات وعمليات مخطط لها من قبل جهات عدة إقليمية ودولية، والخشية اليوم من دفع تركيا للسلطة الجديدة في دمشق نحو تصادم مع الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا لما لها من تأثير قوي عليها، بدليل بعد الإعلان عن مُخرجات كونفرانس “وحدة الموقف والصف الكردي” الذي انعقد في قامشلو، أعلنت سلطات دمشق رفضها لمخرجات الكونفرانس عبر بيان. هنا لا ننسى أن قوات سوريا الديمقراطية حررت الرقة وألحقت الهزيمة العسكرية بداعش في الباغوز، ولولا الإدارة الذاتية لتعرضت كافة المؤسسات والدوائر الحكومية للدمار بعد قيام الحراك الشعبي في سوريا ٢٠١١، وإذا كانت العلاقات السوريّة والتركية الآن على ما يُرام هذا لا يعني أن تصبح تركيا وصيّة على الشعب السوري، لأن كل خيبات الأمل التي تحصل سببها تركيا، وأيضاً إسرائيل فهي لا تريد سوريا مستقرة بل أن تبقى مضطربة وضعيفة لأن سوريا لها حدود مشتركة مع إسرائيل وما فعلته بلبنان وغزة خير دليل على ما نقول وإذا كان ترامب يريد وقف الحروب والنزاعات في المنطقة ويسعى لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، فإن المشروع يصب في مصلحة إسرائیل ويتقاطع معه لأنه يهدف إلى تجزيء المجزأ وتقسيم المقسم، لهذا فالمطلوب من السلطات الجديدة في دمشق إعادة النظر في التوازنات والمفاوضات البينية، وبخاصةٍ بعد أن رفعت أمريكا والغرب العقوبات على سوريا، وإلا فإن سوريا مقبلة على حرب أهلية، وهذا ما حذر منه وزير الخارجية الأمريكية مارکو روبیو، معنى ذلك الكرة هي في ملعبنا كسوريين وعلينا الانتقال من الأقوال إلى الأفعال حتى لا ينطبق علينا المثل الشعبي “أسمع كلامك أصدقك، أرى أفعالك أستغرب”؛ لأننا نحن السوريين عانينا الكثير طيلة عقود من الزمن وآن لنا أن نرتاح في ظل نظام لا مركزي ديمقراطي تعددي يعترف بحقوق كافة الشعوب السوريّة، يُحتذى به بين دول المنطقة، لا أن نعود للمربع الأول.




