قامشلو/ دعاء يوسف – بين جدران مدرسة “حسين عبد الله”، المشققة تنمو أحلام أطفال مؤجلة، لكنها ما زالت حية، تنتظر فقط من يراها أو يسمعها، ليعيد إليها بعضاً من الأمل والطفولة المسروقة.
في مدرسة “حسين عبد الله”، التي حُوّلت مأوى مؤقتاً منذ كانون الأول 2024، تستقرّ 14 عائلة مهجرة تتألف من 60 فرداً، وبين جدران المدرسة الصامتة، تسكن أصوات أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى التهجير والحرمان، أطفال في وجوه صغيرة تحلم بأشياء بسيطة، هي حق طبيعي لكل طفل في العالم.
أحلام العيد تتحول رفاهيات مفقودة
يعيش 36 طفلاً (23 فتاة و13 ولدا) في مدرسة (حسين عبد الله) في ظروف قاسية، تتراوح أعمارهم من سنة إلى 15 سنة، ويقتسمون الصفوف الدراسية مع أهلهم كغرف نوم مشتركة، ورغم ذلك، لم تُطفَئ في قلوبهم شعلة الطفولة، فلا يزالون يرسمون بالأصابع عالماً جميلاً، فيه بيت دافئ، وألعاب، وثياب عيد جديدة.
وعن أحلام بسيطة، قالت ابنة تسع سنوات “شيلان عدنان هلال” خلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي”: “أريد فستاناً زهرياً، مثل الذي ارتدته ابنة جيراننا في العيد الماضي، فوالديّ لم يكونا قادرين على شراء شيء لنا هذا العيد”.
وتابعت: “إننا نلعب في باحة المدرسة مع أطفال الحي، ولكن الفتيات يأتين بألعابهن، ونحن نراقبهن بحسرة، فإننا لا نملك هذه الألعاب مثلهن”. وتمنت شيلان التي وعدها والداها بتحقيق رغبتها بفستان جديد للعيد حين عودتهم إلى وطنهم: “أتمنى أن يجد والدي عملاً، أو نعود إلى منزلنا في عفرين؛ كي يشتري لي ألعاباً ولباساً جديداً، ويصنع لي أرجوحة ألعب فيها أنا وأخواتي”.
كما بينت “فيدان أصلان رشيد“، ثماني سنوات، أنها بالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشونها فهي تصنع ألعابها مع صديقاتها في المجمع، فيلعبون الألعاب الجماعية التي تغنيهم عن طلب شراء ألعاب تكلف ذويهم المال غير الموجود أساساً.
وتحدثت بغصة: “لقد تكيفنا مع القلة، ولكن أحياناً نرى الأطفال يرتدون في العيد ويخرجون إلى الساحات من أجل جمع السكاكر، ونحن لا نرتدي ثياباً جديدة في كل عيد حتى نخرج فبها إلى الشوارع، ولم نشترِ ضيافة للعيد الماضي، ولا يملك أهلنا المال لشرائها هذا العيد حتى”، مضيفةً: “نعلم إنهم يفكرون بإسعادنا بأقل الإمكانات ونحن لا نطلب الكثير ولكننا حرمنا من الشراء من الدكاكين”.
أما “جيكر علو” ثماني سنوات، يرغب بامتلاك كرة قدم ليشارك بها أطفال الحي في اللعب إذ يأخذون الكرة كلما ضجروا من اللعب، ويتحدث عن عفرين بكل فرح وهو لم يرها قط: “لقد قال لي أبي، إننا نملك ساحة منزل كبيرة يملؤها ظل الأشجار، إذ يمكننا اللعب فيها طوال اليوم دون أن تحرقنا الشمس، وأخبرني أنه عندما نعود سيزرع شجرة باسم كل واحد منا”.
وعن الصعوبات التي يعانيها “علو” وأقرانه في مجمع المدرسة: “إننا نلعب ونذهب إلى المدرسة، ولكننا نريد حياة سعيدة بعيداً عن الخوف من الحرب”.
الخوف من تهجير جديد
إن آثار التهجير بالرغم من إنها صعبة على الكبار، فهي تترك جراحاً لا تندمل في قلوب الأطفال، الذين ولدوا في مخيمات التهجير، وعاشوا التهجير مرات عديدة، فمنذ أن أبصرت عيونهم النور يعيشون في مخيمات أو مدارس لا تقيهم برد الشتاء وحرارة الصيف، وهذا ما وصفته الطفلة “أينور محمد عزيز“، عشر سنوات، فكل ما تتمناه هو منزل تعيش فيه مع عائلتها: “إننا لا نعرف ماذا يعني وطن أو منزل خاص بنا، لقد ولد جميع أخوتي في الخيام وغادرنا أرضنا ونحن أطفال لا نفقه شيئاً، ورأينا أفرادا تقتل أمام أعيننا، وسرنا مسافات طويلة هرباً من الموت في الشهباء”.
ولم تطلب أينور دمية أو فستاناَ جديداً، بل تمنت أن يعم السلام ولا ترى الناس تقتل مرة أخرى: “لقد كان الأمر مرعباً جداً، نريد أن نتعلم ونعيش طفولتنا مع ذوينا في سلام، أصبحت أخاف من التهجير وأن أفقد أحداً من عائلتي على طريق تهجير آخر”.
فإن أكبر أمنياتهم ليست فقط الألعاب أو الملابس، بل العودة إلى ديارهم التي لم يروها بعد، لكنهم عرفوها خلال القصص التي ترويها الأمهات ليلاً، عن بيوت غمرتها الشمس، ورائحة الخبز الطازج، وكروم الزيتون التي غطت الأفق، وعن ضحكات الأهل التي تاهت في زحام الحرب.
فيما همست “شيرين علو” بصوت خافت وهي تنظر إلى الأرض عند سؤالنا عن حلمها: “بدي نرجع، بس نرجع على بيتنا، أنا ما بعرفه بس ماما بتحكي عنه كتير”.
وتبقى أمنياتهم معلقة على جدران مدرسة، وأقسى أحلامهم أن يعيشوا طفولتهم المسلوبة بسلام.




