د. طه علي أحمد
لأكثر من قرن، ارتبطت القضية الكردية بأنماطٍ تقليدية من التنظيم الاجتماعي والسياسي، أبرزها العشائرية، التي كانت تمثل الإطار الأهم لهوية الكرد، وتحركاتهم السياسية والاجتماعية في وجه الأنظمة المركزية، ومع نهاية القرن العشرين، حدث تحوّلٌ حاسمٌ على يد فاعل غير تقليدي؛ حزب العمال الكردستان (PKK)، الذي نقل النضال الكردي من حدود الولاء العشائري إلى أفق أوسع من الحزبية المؤدلجة.
التحول من البنية العشائرية إلى التنظيم السياسي
رغم أن العشيرة الكردية قد لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك المجتمع الكردي، إلا أنها شكّلت عائقًا أمام أي مشروع سياسي جماعي يتجاوز القرابة، وكثيراً ما كانت الزعامات العشائرية تتعامل ببراغماتية مُفرطة مع الدول المركزية، ما أفقد الحراك الكردي بوصلته القومية في مراحلٍ كثيرة من تاريخه.
لقد جاء حزب العمال الكردستاني في أواخر السبعينيات بمنهجية جديدة جذريًا. إذ انطلق مؤسس الحزب وقائده عبد الله أوجلان من رؤية ترى أن العشيرة ليست فقط تنظيمًا اجتماعيًا تقليديًا، بل عائقًا أمام التحديث والتحرر الوطني، وركّز في أطروحاته على ضرورة تفكيك البنية العشائرية بوصفها متحالفة ضمنيًا مع السلطة.
الأيديولوجيا بدل القرابة.. التحوّل الفكري والتنظيمي
اعتمد الحزب منذ بدايته على الأيديولوجيا كعنصرِ تعبئة بديلٍ عن الانتماء العشائري، وبذلك اجتذب شرائح واسعة من الفلاحين والفقراء والطلاب والنساء، ممن لم يكن لهم مكان في المنظومة العشائرية، وقد استخدم الحزب أدبيات ماركسية -لينينية في البدايات، ثم تحوّل لاحقًا إلى أطروحة “الأمة الديمقراطية”، لكنه ظل يرفض إعادة إنتاج السلطة على أسس عشائرية. الأهم أن الـPKK نجح في اختراق المناطق الريفية التي كانت تهيمن عليها العشائر، وشيّد هناك بنية موازية من الكوادر والمجالس والانضباط التنظيمي، مما مَكَّنه من خلق ولاءٍ جديدٍ خارج منطق الدم والنسب.
غير أن هذا التحول لم يكن سلسًا، فقد دخل الحزب في صداماتٍ مباشرة مع بعض زعامات العشائر التي رفضت هيمنة الحزب، واعتبرت تمدده تهديدًا لبنيتها الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، استطاع الحزب أن يجذب عشائر بأكملها في بعض المناطق بعد كسب ولاء أفرادها الأصغر سنًا، خاصةً في أرياف باكور كردستان وتركيا وجبال قنديل. وخلال التسعينيات، ومع تراجع تأثير الأحزاب الكردية التقليدية التي كانت غالبًا ذات بنية عشائرية، بدا واضحًا أن الحزب فرض نفسه كقوة سياسية – عسكرية مستقلة، تتفوق في تنظيمها وهيكليتها على كل الكيانات العشائرية.
حزب العمال والاستمرارية السياسية
رغم التحديات العاصفة التي نشأ خلالها حزب العمال والتحديات التي لازمته منذ التأسيس، إلا أن قد ظل فاعلاً مركزياً في المشهد الكردي لأكثر من أربعة عقود وهو ما يمكن إرجاعه إلى عدد من العوامل من بينها:
ـ المركزية التنظيمية والانضباط الحزبي: فمنذ بدايته، أسّس الحزب نموذجًا صارمًا في البناء التنظيمي يقوم على تسلسلٍ هرمي واضح، مع رقابة أيديولوجية شديدة على الكوادر، وتمارين فكرية وعسكرية مستمرة، ونتيجة لعوامل من بينها الانضباط الشديد، والتدريب القاسي، والانصهار في المشروع القومي، لم يعرف الحزب مشكلات مثل التفكك والانشقاق السريع التي أصابت أحزابًا كردية أخرى.
ـ تبنّي أيديولوجيا متجددة ومتحولة: لم يبقَ الحزب رهينًا لأيديولوجيته الماركسية – اللينينية التقليدية، بل انفتح على أطروحات جديدة مع بداية الألفية، عبر نظرية “الأمة الديمقراطية” التي صاغها مؤسسه وقائده عبد الله أوجلان، وقد أسهم هذا التحول في تجديد الشرعية الفكرية للحزب، والتكيف مع المتغيرات العالمية والإقليمية، مع الحفاظ على خطه الثوري العام.
ـ الاعتماد على الجغرافيا الصلبة (الجبال): اتخذ الحزب من جبال قنديل وغيرها قواعد عسكرية منيعة، ما مكّنه من البقاء بعيدًا عن الضربات الحاسمة رغم الحروب الطويلة، وقد جعلت هذه الطبيعة الجغرافية الوعرة، والبنية السرّية من الحزب حركة غير قابلة للاجتثاث السهل.
ـ شبكات الدعم الاجتماعي والسياسي الواسعة: تمتع الحزبُ بدعم شريحةٍ واسعة من الكرد المهمشين، خصوصًا في تركيا، ثم لاحقًا في سوريا والعراق، حيث استثمر الغضب الشعبي من التهميش والتمييز والقمع. كما عمل على تمكين النساء والفقراء والمحرومين، ما منحه جذورًا اجتماعية يصعب اقتلاعها.
ـ القدرة على التكيّف مع التحولات الإقليمية: ففي كل منعطف، أعاد الحزب إنتاج نفسه. وبعد الخروج من تركيا، استثمر الحزب في الخطاب العام حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما يوضح نسقه الفكري المرتكز على القيم الديمقراطية بشكلٍ عام.
ـ الكاريزما القيادية للقائد عبد الله أوجلان: رغم اعتقاله عام 1999، بقي القائد أوجلان المرجعية الفكرية والسياسية العليا للحزب، وقدّم من سجنه في إيمرالي نصوصًا استراتيجية مكّنت الحزب من إعادة تموضع نفسه في بيئة دولية متغيرة، مع الحفاظ على وحدته الفكرية والتنظيمية.
ـ الدور الإعلامي: طوّر الحزب أدوات إعلامية قوية، من قنوات تلفزيونية إلى مواقع إلكترونية ومنشورات، أسهمت في نشر روايته، والتأثير في الرأي العام الكردي والدولي، والتصدي للدعاية الرسمية للدول التي تحاربه.
ـ حضور عابر للحدود: امتد الحزب خارج تركيا، وبات حركة كردية إقليمية لها فروع وشبكات في العراق وسوريا وإيران، بل وفي أوروبا ضمن الجاليات الكردية، ما منحها بعدًا استراتيجيًا أبعد من الدولة التركية وحدها.
نموذج الإدارة الذاتية وتفكيك الهويات القبلية
تجلّى الدور الأبرز في هذا المسار بعد 2012، مع إنشاء الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، فقد اعتمدت هذه التجربة على بناء مؤسسات مدنية لا تقوم على الانتماء العشائري أو الديني، بل على نظام الكومينات والمجالس المحلية، والتمثيل المتساوي للجنسين والمكونات الإثنية. وبالفعل استطاعت هذه الإدارة الحد من نفوذ الشيوخ والعشائر في القرارات السياسية، وخلقت نمطًا جديدًا من الحوكمة، تتصدر فيه النساء، والشباب، والمثقفون، بينما تتراجع سلطة العائلة الممتدة.
الخلاصة إذا أن الدور الذي لعبه حزب العمال الكردستاني في نقل القضية الكردية من العشائرية إلى الحزبية لم يكن مجرد تحوّل تنظيمي، بل ثورة اجتماعية – سياسية استهدفت بنية كاملة من الولاءات والعلاقات التقليدية. وبينما لا تزال العشائر فاعلة في بعض المناطق، إلا أن خطاب الحزب وممارساته أسهمت بشكلٍ فعلي في إعادة تعريف الهوية الكردية، وربطها بمفاهيم المواطنة، العدالة الاجتماعية، والنضال الأممي، بدلًا من الدم والنسب.
كما أن استمرار حزب العمال الكردستاني لأكثر من 40 عامًا لم يكن صدفة، بل نتيجة لشبكةٍ معقدة من العوامل من بينها التنظيم الصارم، والمرونة الفكرية، والحضور الجغرافي المدروس، والقاعدة اجتماعية متينة وغيرها. ولعلّ الأهم في هذا السياق أنه استطاع أن يتحوّل من مجرد حركة مسلّحة إلى مشروع اجتماعي – سياسي واسع الأفق، وهو ما أبقاه فاعلًا رغم الحروب، الاعتقالات، والصراعات الإقليمية.




