روناهي/ دير الزور ـ على ضفاف الفرات، حيث تتعاقب الحضارات وتطور المجتمعات، تقف صناعة التنانير الطينية التقليدية شامخة، شاهدة على عراقة منطقة دير الزور، ومحافظة على مكانتها في قلوب ومطابخ الأهالي الذين يفضلونها لطعم ومذاق المخبوزات الفريد الذي لا يضاهيه فرن حديث، هذا التنور الذي، يمثل جزءاً من هوية المنطقة وتراثها الحي.
التنور الطيني، هذا الفرن التقليدي المصنوع من الطين والقش، ليس مجرد أداة للطهو، بل محور للحياة اليومية في العديد من بيوت دير الزور، حيث تقوم نساء المنطقة ببراعة بخبز أرغفة الخبز الشهية والمعجنات المتنوعة، وفي بعض الأحيان، يمتد استخدامه ليشمل شواء اللحوم، مانحها نكهة دخن مميز.
إرث تقليدي
وفي خضم تسارع وتيرة الحياة والتطور التكنولوجي، بدأ بعض الأهالي بالتخلي عن هذا الإرث التقليدي، مستبدليه بالتنور الحديث الذي يعمل بواسطة المازوت، والذي يوفر سرعة وسهولة في التشغيل قد يفتقر إليها التنور الطيني.
وفي السياق، أشار “صالح المحمد” أحد أهالي قرية الغرانيج في ريف دير الزور الشرقي، خلال حديثه مع صحيفتنا “روناهي”: “هذه الحرفة ورثتها عن جدي ووالدي، حيث كنت أراقبهم منذ الصغر، لا أذكر عمر محدد إلا أنني أذكر أني كنت أصنع تنانير صغيرة للعب قبل أن أبدأ بمساعدة الوالد في صنع التنانير الحقيقية”.
المواد الأساسية في صناعة التنور
وعن المواد التي تستخدم لصنع التنانير التقليدية، قال المحمد: “المادة الأساسية لصنع التنانير التقليدية، هي الطين الحر أو ما نسميه “طين النهر”، حيث يجب أن يكون طيناً نظيفاً وخالياً من الشوائب والحصى قدر الإمكان، ثم نضيف إليه “التبن” وهو القش الناعم أو المقطع والماء”.
وأضاف: “فالتبن يعطي التنور قوة وتماسكاً، ويمنعه من التشقق عند الجفاف أو عند التعرض للحرارة العالية”.
وأوضح، أنه لا توجد أسرار في صناعة التنانير بقدر ما هي خبرة ودقة في العمل، مبيناً: “أولاً نقوم بتخمير الطين مع التبن والماء لأيام عدة، حتى يتجانس الخليط جيداً، ثم نبدأ ببناء قاعدة التنور بشكل حلزوني أو طبقات، وكل طبقة نسميها “دور”، نصنع الدور ونتركه ليجف قليلاً ويتماسك قبل أن نضيف الدور الذي يليه”.
وأردف: “إن عرض الجدار وسماكته مهمان جداً وكذلك استدارة التنور، فبعد الانتهاء من بناء الهيكل نقوم بتنعيم سطحه الداخلي والخارجي، ثم نتركه ليجف تماماً في الظل لأيام عدة، وأحياناً أسابيع حسب الطقس، حتى لا يتشقق إذا جف بسرعة في الشمس”.
وأضاف: “والمرحلة الأخيرة هي الفخر أو الحرق، وهي مرحلة مهمة جداً، حيث نقوم بإشعال نار هادئة داخل التنور ونزيدها تدريجياً حتى يصبح الطين صلباً كالفخار، التنور الجيد هو الذي يحتفظ بالحرارة جيداً ولا يتشقق بسهولة ويدوم سنوات طويلة”.
الفرق بين التنور الطيني والأفران الحديثة
وأشار إلى أنه “يوجد اختلاف كبير من ناحية الطعم، فالخبز في التنور الطيني له نكهة خاصة نسميها “ريحة الأرض”، حيث أن الطين يتنفس والحرارة تتوزع بشكل متساوٍ وبطيء؛ ما يجعل الخبز ينضج من الداخل والخارج بشكل مثالي ويصبح له قشرة مقرمشة لذيذة”.
وأردف المحمد: “أقوم ببيع التنور بقيمة مائة ألف ليرة سورية، ولكن لا يوجد إقبال كبير عليها فاليوم وبعد التطور الكبير، يميل الجيل الجديد للسهولة والسرعة وكثير منهم لا يعرف قيمة هذا التنور ولا يملكون الوقت أو المكان لاستخدامه”.
واختتم “صالح المحمد” موجهاً رسالته للجيل الجديد: “إن هذا التنور ليس مجرد أداة للخبز، بل يجمع العائلة ويعلم الصبر والتمسك بالأرض، فتعلموا هذه الحرف التقليدية، لأنها تحمل البركة والخير”.




