قامشلو/ ملاك علي – في ركنٍ من أركان الشهباء، حيث كانت الجبال شاهدة على حكايات الصمود، وبيوت الطين تحتفظ بأسرار الماضي، وُلد صوت مختلف، لم يكن صوتاً غنائياً، بل كان صدى لأرواح تبحث عن التعبير والحرية، صوت فرقة نسائية جمعت بين الفن والأصالة، واحتضنت التراث بقلوب مؤمنة بأن الفن رسالة، لا مجرد أداء.
منذ سبع سنوات، بدأت تلك الفرقة تسير على درب النغم، تحمل في صوتها نبض الأرض، وفي خطواتها إصرار لا ينكسر، وسط مجتمع أنهكته الظروف، وجدت هذه المجموعة متنفسها في الغناء، فكانت كل وصلة غنائية إعلاناً للحياة. لكن؛ الحرب لم تترك شيئاً على حاله، جاءت الهجرة قاسية، تاركة خلفها الذكريات، والدروب، والحلم الذي بدأ هناك، تهجّرن إلى قامشلو، لكنّهن لم يتخلين عن الحلم، ولم تفقد الفرقة هويتها، بل أعادت بناء ذاتها من رماد الغربة، وعدن إلى الفن كمن يعود إلى بيته الأول، ورغم الألم، استمرت الفرقة بعضواتها الأربعة عشرة، في تقديم فنّهن من خلال مركز “الهلال الذهبي”، محافظة على وهج البدايات.
فن نسوي يواجه المحو ويعيد رسم ملامح الهوية
في مشهد نادر، تشكّل تجربة “الهلال الذهبي” مثالاً حياً لمقاومة نسوية متكاملة، امتدت لأكثر من سبع سنوات، اتخذت الثقافة والفن وسيلةً للدفاع عن الوجود، والهوية، واللغة، وحتى الحياة ذاتها، وبين ركام التهجير وويلات الحصار، أصرّت عشرات النساء الشابات على تشكيل جبهة مقاومة فنية، بقيادة نساء مثل “كوناي مصطفى“، التي شغلت موقع الإدارة في الهلال الذهبي بمقاطعة عفرين، ومن ثم في الشهباء، لتقود فرقاً فنية استثنائية في ظرف استثنائي.
منذ انطلاقتها، لم تكن تجربة الهلال الذهبي تنظيماً فنياً، بل كانت حركة ثقافية نسوية واعية، تحمل في مضمونها أبعاداً نضالية ومجتمعية عميقة، خصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات تهجير ممنهجة ومحاولات محو ثقافي، وقد عملت الفرق الفنية، التي بلغ عددها خمس فرق، على تعزيز حضور المرأة الكردية خاصة، والمرأة السورية عامة، في ميادين الفن والمسرح والموسيقا والرقص، رغم شُحّ الإمكانات، وانعدام الموارد التدريبية. “كوناي“، التي مثّلت قلب هذه الحركة في الميدان، أكدت أن الظروف القاسية لم تكن سبباً للتراجع، بل دافعاً لبذل جهد مضاعف: “أدركنا منذ اللحظة الأولى أن معركتنا ليست فقط من أجل الفن، بل هي من أجل الحفاظ على وجودنا الثقافي، وتمكين المرأة في مواجهة محاولات الصهر، والتهجير”.
من أبرز الفرق التي نشأت في الهلال الذهبي، فرقة الشهيدة هيفا، التي ضمت 14 عضوة، جميعهن من الشابات، معظمهن طالبات جامعيات، لم تقتصر مشاركتهن على الأداء، بل تحملن أيضاً مسؤولية التدريب الذاتي والجماعي، في وقت كانت فيه المنطقة تعاني من نقص حاد في الكوادر المتخصصة، والموارد اللوجستية، والآليات التنظيمية.
ورغم ذلك، واصلت الفرقة نشاطها، وأصبحت نموذجاً يُحتذى به في التصميم والإصرار على التعلم والتمكين، حتى مع تكرار تجربة التهجير للمرة الثانية من مقاطعة الشهباء، والتي كانت أكثر ألماً من سابقتها، ومع الوصول إلى مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، وتحديداً في قامشلو، أعادت الفرقة تنظيم نفسها من جديد، وواصلت العمل، حيث التحقت العديد من العضوات بالمعهد العالي للموسيقا التابع للهلال الذهبي.
إعادة بناء الصوت تحت الركام
تقول كوناي: “كنا نعتقد أن التهجير الثاني قد يُنهي ما بدأناه، لكن العكس هو ما حدث، كانت العضوات هنّ من بادرن بالتواصل معنا، وطلبن إعادة التنظيم، وتمكّنا من تأسيس فرقة الشهيدة هيفا من جديد، بعدد العضوات ذاته، ومنهن من تطورت وبدأت مسيرتها الأكاديمية في الموسيقا”.
شاركت الفرقة في فعاليات ومناسبات عدة، من أبرزها، احتفالات عيد النوروز، يوم المرأة العالمي (الثامن من آذار)، والرابع من نيسان، إلى جانب التحضير للمشاركة في فعالية إحياء ذكرى استشهاد الشهيدة مزكين، كما تم تأسيس فرقة أخرى باسم الشهيدة فيان صوران للرقص، والتي ضمت ثماني عضوات في مدينة قامشلو، واستطاعت هي الأخرى أن تشكّل إضافة نوعية للمشهد الثقافي.
في الوقت ذاته، كانت إدارة الهلال الذهبي تواجه تحديات كبيرة في تأمين المواد والتجهيزات، وتوفير المعلمين والمدربين، وتسهيل تنقل الفرق، هذه المعاناة لم تكن فقط فنية، بل تنظيمية أيضاً، نتيجة استمرار ظروف الحصار، وغياب الدعم الكافي من المؤسسات الثقافية الرسمية أو المستقلة. لكن؛ الرهان ظل دائماً على الإرادة الجماعية للنساء، التي تغلّبت على المعوقات، فقد استطاعت فرق الهلال الذهبي أن تحوّل الفن إلى لغة نضال، والمسرح إلى منصة لرفع صوت المرأة، والرقص إلى طقس مقاومة يومي.
وفي ظل هذا المشهد، باتت تجربة الهلال الذهبي تجربة نوعية يُحتذى بها، لأنها استطاعت أن تُنتج فناً ملتزماً من رحم المعاناة، وأن تخلق حراكاً ثقافياً يُثبت أن المرأة ليست فقط ضحية الحروب والصراعات، بل فاعلة أساسية في رسم ملامح المستقبل.
تختم “كوناي مصطفى” حديثها: “طوال سبع سنوات، لم يكن طريقنا مفروشاً بالورود، بل كان معبّداً بالألم والخسارات، ومع ذلك، بقينا نغني ونرقص ونكتب ونحلم، لأننا نؤمن أن الثورة الثقافية جزء لا يتجزأ من ثورة الحرية، لن يتوقف نضالنا حتى نحقق التحرير والعودة، وسنبقى نحمل راية صوت المرأة، بلغتها، وفنها”.
تُعد الفرقة رمزاً للإرادة النسائية، وصورة حية عن الفن والمقاومة، وكيف يمكن للصوت أن يتجاوز أشكال القهر كافة ليصل إلى قلوب الناس.




